الجد الأرضي الأكبر "سعدانيوس حجازنسيس" عاش قرب مكة

في الخميس ١٥ - يوليو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً

سعوديون وأمريكيون اكتشفوا أهم حلقة مفقودة

الجد الأرضي الأكبر "سعدانيوس حجازنسيس" عاش قرب مكة

 

   
عظام جمجمة "سعدانيوس" الأمامية
 
عظام جمجمة "سعدانيوس" الأمامية

 

لندن- كمال قبيسي

منذ نزل الإنسان عن الشجرة قبل ملايين السنين وانتصب واقفا على قدميه كمميز وسط حيوانات الأرض وهو يتأمل الغموض ليعرف أسراره، ومنها واحدة لم تظهر تفاصيلها إلا في بحث نشرته الخميس 15-7-2010 في عددها الصادر اليوم مجلة "نيتشر" العلمية الأمريكية، وفيه الدليل لأول مرة عن اكتشاف أهم حلقة كانت مفقودة، وهي كائن عاش قرب مكة المكرمة بشكله الغريب كاسمه الأغرب: سعدانيون حجازينسيس.

و"سعدانيوس" ليس قردا، ولا هو إنسان ولا سعدان أيضا، إنما حيوان شكله غير معروف تماما وعثروا على جمجته الأمامية في منتصف فبراير (شباط) العام الماضي بمنطقة "حرة عجيفاء" في محافظة الجموم التابعة لمكة المكرمة، حيث مضى إليها فريق سعودي- أمريكي بعض أفراده مختص بالاحفوريات الفقارية وبالبحث عن بقايا أحياء قديمة بين الطبقات الأرضية.

مضوا إلى "حرة عجيفاء" آملين أن يعثر الفريق المكون من 6 أمريكيين انتدبتهم جامعة ميتشيغن و7 سعوديين من "هيئة المساحة الجيولوجية السعودية" على بقايا ديناصورات ظنوا أنها قد تكون في المنطقة التي اعتقدوا أن عمر طبقاتها الأرضية يزيد على 70 مليون سنة تقريبا، فاذا به لا يزيد على 30 مليونا، وإذا بهم يستخرجون من هناك ما جعلهم كالصياد الذي أطلق سهما على عصفور صغير فإذا به يسقط السرب بكامله.

وتم العثور على الجمجمة الأمامية للحيوان بالصدفة في "حرة عجيفاء" المارة عبرها الطريق المخصصة لغير المسلمين ممن يرغبون بالتوجه إلى الطائف. وفي أول يوم وصلت فيه البعثة المشتركة إلى هناك عثرت على الجمجمة، مما أبقاها 3 أسابيع أخرى، ومن بعدها قامت برحلة حفر وتنقيب ثانية استمرت أسبوعين، درست خلالهما البئية الجغرافية للمنطقة التي كانت في ذلك الوقت ريانة خضراء واستوائية تتميز بكثرة المطر والاخضرار وفيها أنهر وبحيرات في زمن لم تكن فيه الجزيرة العربية قد انفصلت بالبحر الأحمر عن إفريقيا، بل كان بالإمكان السير على الأقدام بين موقع جدة الآن والخرطوم في السودان.

عودة للأعلى

أنيابه طاحنة ووجهه طويل وجبهته مثلثة

إياد زلموط مستلق على التربة في "حرة عجيفاء"

وقد أطلعت "العربية.نت" من رئيس الفريق الأمريكي، وهو الدكتور الأردني الأصل إياد زلموط، على تفاصيل الاكتشاف المنشورة اليوم في المجلة العلمية الأمريكية بطريقة لن يفهمها الا المتخصصون مثله بعلم الاحفوريات، فشرح عبر الهاتف من بيته بمدينة "آن آربر" بولاية ميتشغن حيث يقيم منذ 10 سنوات، أن ما تم اكتشافه يؤكد أن "سعدانيوس" هو الجسر السلالي الأقدم الذي عبر منه أسلاف ذلك الحيوان بالتطور طوال ملايين السنين حتى شهدت الأرض فيما بعد قردة وسعادين ومن بعدهما أشباه بشر" وهذه هي أهم حلقة مفقودة كأن العلماء يبحثون عنها منذ زمن طويل" بحسب تعبير الدكتور إياد المولود في دمشق قبل 36 سنة.

والاسم "سعدانيوس حجازينسيس" هو لاتيني وعلمي تصنيفي يشير الى أن الحيوان كان من منطقة الحجاز، وفيها عاش، وكان وزنه بين 15 الى 20 كيلوغراما، وله أسنان وأنياب طاحنة، ووجه كان طويلا وناتئا تعلوه جبهة ضيقة ومثلثة، وربما كان طوله متر واحد على الأكثر، وكل هذه الاستنتاجات جاءت بعد فحوصات مخبرية بالأشعة المقطعية السينية الممغنطة لعظام الجمجمة ولحجمها الدال حتى على عمر وطول الحيوان الذي عاش في زمن يتراوح بين 23 الى 30 مليون سنة إلى الوراء، أي ما معدله 28 مليون عام "وهذه المعلومة هي أهم ما في الاكتشاف" كما قال.

والشيء الوحيد الذي حمل الدليل على أن "سعدانيوس" هو الجد الأرضي الأقدم لأهم الثدييات على الأرض، وهي القردة والسعادين وأشباه البشر الممتدة إلى الإنسان الحالي، هو ما وجدوه في عظمة الأذن بالجمجمة "ففيها قناة عظمية ساعدت العلماء على معرفة أن سعدانيوس كان يعيش قبيل الانفصال الجيني بين السعدان والإنسان.
وهذا الأحفور هو القاسم المشترك الوحيد الذي كان بين ذلك الحيوان والقردة والسعادين، مما يعني أن "سعدانيوس" دخل في مرحلة تطور وصل أسلافه معها عبر الزمن "إلى تكوين سلالة انفصلت فيما بعد إلى سلالتي القردة والسعادين المتفرعة منها سلالة أرضية جديدة تماما هي أشباه البشر البدائيين" طبقا لما قال الدكتور إياد المتزوج من مكسيكية لبنانية الأصل متخصصة بعلم الأعضاء البشرية.

عودة للأعلى

قريبا سيظهر كما كان منذ 28 مليون عام

والزمن الذي عاش فيه "سعدانيوس" مهم جدا، بل هو أهم ما في عملية الاكتشاف التي كلفت الطرفين إلى الآن أكثر من 100 ألف دولار، ففي السابق كان الاعتقاد سائدا أن الجسر السلالي ممتد من بقايا قردة وسعادين تم العثور عليها بمحافظة الفيوم في مصر، وقدروا زمنها بين 30 إلى 35 مليون سنة، أي ما معدله 32 مليون عام. أما "سعدانيون" فقدروا أن الزمن الذي عاش فيه معدله 28 مليون عام، ما يعني فرق 4 ملايين سنة مما كان يعتقد وعلى أساسه الخاطئ بنوا ما بنوا من نظريات بلا دليل.

هذا التغيير في الجدول الزمني لتطور الرئيسات من الثدييات يظهر في أن آخر سلف مشترك بين السعادين والقرود والبشر، ويدعى "كتارين" عاش في زمن أقرب مما تشير اليه المقاربات الجينية، لذلك يتيح الاكتشاف للمرة الأولى التأكيد أن الأحفور الغامض لحيوان آخر من فصيلة الرئيسات عاش بعد ذلك بأربعة ملايين سنة يعود لقرد من فترة ما بعد الانفصال" بحسب تعبير الدكتور زلموط، الذي يضيف أن معظم ملامح السلف القديم المشترك (كتارين) لا تبدو عليها أي خصائص في قرود أو سعادين العالم القديم" كما قال.

وشرح أن للقرود الحالية مثلا جيوبا جبهية، ولذكورها أنيابا كبيرة، في حين أن سعادين العالم القديم كانت لديها أضراسا خاصة في مؤخر فكيها لثقب البذور وطحنها قبل تناولها كطعام. لكن قناة الأذن العظمية التي تم اكتشافها في "سعدانيوس" موجودة لدى المجموعتين، وغائبة لدى الأسلاف المشتركة القديمة عن"كتارين" مما يعني أن "سعدانيوس" هو صلة الوصل بين المجموعتين، لا غيره.

وقال الدكتور زلموط أن البعثة المشتركة ستقوم برسم وتخطيط وجه "سعدانيوس" بحيث يمكن التعرف إلى شكله كما كان تماما لتقديم دليل دامغ آخر على صحة الاكتشاف الجديد، فالنظريات القائمة على دراسة الحيوانات الحالية تقول إن وجه السلف الأقدم للقردة والسعادين وأشباه الإنسان البدائية كان قصيرا وجبهته ناعمة ومستديرة، في حين أن"سعدانيوس" هو العكس تماما.