حديث رمضانى مع «فِلّّة»، من أحباب مبارك

سعد الدين ابراهيم في السبت 06 اغسطس 2011

تجمع موائد الإفطار فى شهر رمضان الكريم الأهل والأحباب والأصدقاء، كما لا يحدث فى أى شهر من شهور السنة، ويتزامن شهر رمضان عام ٢٠١١، مع بداية محاكمة الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك ونجليه، علاء وجمال، وأقطاب نظامه، وهم الذين كانوا ملء السمع والبصر، طوال الثلاثين عاما السابقة.

وتصادف أن جمعتنى على مائدة إفطار عند شقيقى المهندس/ أحمد رزق، ضيفة شابة، قدمت نفسها لى على أنها «ِِِفلّّّة» من أحباب مبارك، وكان واضحا منذ الوهلة الأولى أنها تريد استفزازى- حيث كنت من أوائل من حذروا من احتمالات التوريث، فى مقال شهير لنا، بعنوان «الجملوكية: مساهمة العرب لعلم السياسة فى القرن الحادى والعشرين» (٣٠ أغسطس ٢٠٠٠)، ويوم ظهر ذلك المقال أرسل مبارك زبانيته للقبض علىّ من منزلى، ولكى أظل فى السجن طوال السنوات الثلاث التالية، إلى أن برأتنى محكمة النقض.

المهم، سألت الضيفة الحسناء عما تعنيه بلفظ «ِِِفلّّّة»، فأخبرتنى بأنه المفرد المؤنث لكلمة «فلول»، أى البقايا المهزومة لأحد الأطراف فى أى صراع. فسألتها عما إذا كانت على تأييدها «للرئيس المخلوع»؟ فاستوقفتنى، بالتصحيح أنه «الرئيس المخلوع» أو «الرئيس المتنحى».. ولم أدخل فى جدل أعتبره عقيما أو «بيزنطيا» حول الفرق بين «المخلوع» و«المتنحى»، والسابق.. حيث كنت أكثر حرصا على معرفة خلفية هذه «ِِِفلّّّة». وبالفعل علمت أنها جامعية، وتعمل فى القطاع الخاص، ومتزوجة من محاسب، ولديها طفل.

سألت هذه «الِِِفلّّّة» عن سر حبها لحسنى مبارك، قالت إنها ولدت فى عهده، ولم تعرف رئيسا غيره، ولأنها تيتمت وهى طفلة، فقد كان حسنى مبارك لها بمثابة «الأب».

إذن، فالنظرة إلى مبارك بمثابة «الأب البديل»، كانت حقيقة أو وهما لدى عدة ملايين من المصريين، الذين ولدوا فى عهده. ويقول لنا علماء السكان إن مصر كانت تتكاثر سكانيا بمعدل ١.٢ مليون سنويا، خلال العقدين الأخيرين. وإن سكان مصر قد تضاعفوا مرة على الأقل خلال الثلاثين سنة، التى تولى فيها هذا الرجل رئاسة مصر. فقد كان عدد سكانها أربعين مليونا، عام ١٩٨١، عندما تولى حسنى مبارك مقاليد السلطة.

أى أن واقع الأمر هو أن «ِِِفلّّّة»، هى واحدة من الأربعين مليونا، الذين ولدوا فى عهد مبارك، وهم نصف سكان مصر فى الوقت الحاضر. والطريف فى الأمر أنه مع وجود الملايين من أمثال تلك الحسناء التى شاركتنى ذلك الإفطار الرمضانى، فهناك ربما العدد نفسه من الملايين، الذين لم يشعروا نحو حسنى مبارك هذا الشعور الأبوى. وآية ذلك أن الملايين التى تجمعت فى التحرير بالقاهرة، وميدان مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية هم نفس جيل «ِِِفلّّّة»، التى لا تزال تحمل لحسنى مبارك تلك المشاعر الأبوية. أى الذين أسقطوه، وجعلوه «رئيسا مخلوعا»، هم أيضا من نفس جيل «ِِِفلّّّة»، وبقية الفلول.

وفى اليوم التالى لذاك الحديث الرمضانى، بدأت محاكمة الرئيس المخلوع وابنيه (علاء وجمال)، وأقطاب نظامه، وعلى رأسهم وزير داخليته، اللواء حبيب العادلى. وكما كان حسنى مبارك هو أطول حكام مصر (بعد رمسيس الثانى ومحمد على)، فكذلك كان حبيب العادلى أطول وزير داخلية فى تاريخ مصر الحديثة- أى خلال المائتى سنة الأخيرة . فقد ظل العادلى وزيرا للداخلية حوالى عشرين عاما. وفى عهد مبارك ووزير داخليته حبيب العادلى تضاعف عدد السجون فى مصر إلى ٤٤ سجنا، ودخل هذه السجون خلال ذلك العهد ما يزيد على مليونى سجين، ربعهم على الأقل (أى نصف مليون) كان لأسباب سياسية.

وكان مشهد المحاكمة تراجيديا بكل المقاييس، فها هو آخر فراعنة مصر، وأقرب أهله ومساعدوه، يقبعون فى قفص حديدى رهن المحاكمة.. وبعد أن كانوا يحكمون ويأمرون، ها هم يستجيبون لنداء حاجب المحكمة، الذى نادى على أسمائهم تباعا، «أفندم»، أو «حاضر».. فسبحان الله، يؤتى الحكم من يشاء، وينزع الحكم ممن يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء.

وفى مساء نفس أول أيام المحاكمة سألنى الإعلامى النابه، حافظ الميرازى، فى برنامجه «من القاهرة»، على قناة دريم، عن شعورى وأنا أشاهد وقائع المحاكمة على شاشات التليفزيون؟ وكانت إجابتى صدقا هى شعور بالأسى.. واستغرب الميرازى، أننى لم أشعر بالشماتة، وأنا أرى أولئك الذين عانيت على يديهم من الظلم وضياع الصحة وتشويه السمعة.. نعم، رأيتهم يتجرعون من الكأس نفسها التى تجرعتها على أيديهم.. ولكنى شعرت بالأسى والحزن، لأن هؤلاء الحكام استبدوا، وطغوا، وظنوا أنهم فى السلطة خالدون. فإذا بشباب شعبهم يسقطهم سقوطا مدويا.. ويحاكمهم.. انتظارا لقصاص عادل عما ارتكبوه فى حق شعبهم وأمنهم.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

اجمالي القراءات 7611