إسرائيل بين ذبح البقرة وعبادة العجل

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 21 ديسمبر 2010

 مقدمة

 * مشكلة العرب اليوم أنهم ليس بوسعهم حرب إسرائيل ولامجال لديهم إلا طريق السلام للحصول على بعض حقوقهم المغتصبة,وطريق المفاوضات شاق,وهناك من العرب من يستكر المفاوضات ويدق طبول الحرب ضد إسرائيل والعالم كله,وهناك من اضطر لقبول المفاوضات في وقت لايملك فيه المفاوض العربي إلا الاستجداء,وإسرائيل تتعنت وتراهن على ما يتمتع به العرب من قلة الصبر وسرعة الانفعال والغضب والتهديد بالحرب التي ليس بوسعهم خوضها .

* وفي القرآن الكريم تحليل رائع &aac; للعقلية الاسرائيلية لم نلتفت إليه ضمن تجاهلنا لكل ما جاء في الكتاب العزيز من إعجازات،ولم يتوقف بعضنا ليتساءل عن السر فس إسهاب القرآن الكريم في قصص بني إسرائيل,إذا لم يكن ذلك إعجازاً في حد ذاته ينبيء أن العلاقة بيننا وبينهم مستمرة حتى بعد نزول القرآن بأربعة عشرقرناً وأن الطريق الأمثل لنا أن نحاول فهم الشخصية اليهودية من خلال ما ذكره رب العزة في القرآن ... ونحاول هنا ان نضع التوصيف القرآني لمشكلتنا الراهنة مع إسرائيل.

التكتيك الحربى لاسرائيل مذكور فى القرآن الكريم

* لقد أوضح القرآن التكتيك الحربي الإسرائيلي وأبان عن نقطة الضعف الأساسية في الدولة الإسرائيلية،وجاء ذلك كله في آية واحدة بمنتهى الإيجاز والإعجاز،يقول تعالى عنهم "لايقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد،تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى :59/14 .

إن التهديد بالحرب هوالذي يجمع اليهود ويوحدهم،وحينئذ يلجأون لأسلوبهم الأمثل وهو إقامة المستوطنات والسدود الحصينة. وذلك ما تفعله إسرائيل.

والقرآن يعبر عن عقيدة الإنتحار الجماعي عندهم حينما يتحدون جميعاً وينسون خلافاتهم فيقول "لايقاتلونكم جميعاً " ثم يذكر أسلوبهم الحربي الوحيد عندما يتعرضون للخطر"إلا في قرى محصنة" أي مستوطنات ومستعمرات "كيبوتز" ويقول "أو من وراء جدر" وما خط برليف عنا ببعيد.

وفي غير أوقات الخطر، حين يعم السلام ينتقل إليهم بأسهم الشديد، يتصارعون فيما بينهم ويقضون بأنفسهم على أنفسهم "بأسهم بينهم شديد" ومهما يبدو من تماسك ظاهري إلا أن انقساماتهم الداخلية لا تنتهي " تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى".

والخلافات الدينية والسياسية بين اليهود لا تحصى، وأكبر منها اختلافاتهم الجنسية حيث أتوا من كل بلد مختلفين في اللون والثقافة وشتى الظروف وهذه الخلافات المتشعبة بينهم لا يسترها إلا خوفهم من التهديدات العربية الكلامية، ولو انتهى ذلك الخوف وحل محله السلام لأكلوا أنفسهم بأنفسم .

استراتيجية السلام

هذا ما نفهمه من القرآن عن إسرائيل حربياً واجتماعياً، وهذا ما ينبغي أن تقوم عليه استراتيجيتنا،أن نعلن عليهم حرب السلام، وأن تدور رحى هذه الحرب في ميدان المفاوضات، وبكل الصبر فهو السلاح الوحيد لنا طالم أضعنا من قبل الكثير من الفرص الضائعة في أوقات التخلف والغوغائية..

مفاوضات البقرة

* وكما أبان القرآن عن الاستراتيجية العسكرية لإسرائيل وخطر السلام عليها فإنه أوضح أيضاً أسلوبهم في المفاوضات ويبدو ذلك في قصة البقرة التي أمرهم الله تعالى بذبحها "وإذ قال موسى لقومه أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" وطالما جاءهم الأمر الإلهي على يد موسى فكان ينبغي أن يطيعوا ويذبحوا أي بقرة ضمن آلاف البقر التي لديهم، ولكنهم بدلاً من الطاعة اتهموا موسى بأنه يهزأ بهم "قالوا أتتخذونا هزونا؟ قال اعوذ بالله أن أكون من الجاهلين"

 لقد عايشوا النبي موسى عليه السلام وشهدوا المعجزات الإلهية على يديه وما عرفوه يهزل أبداً بل كان جاداً في كل أموره خصوصاً ما يتعلق منها بالدعوة والوحي، ومع ذلك قالوا له " أتتخذنا هزواً" ورد عليهم يستعيذ بالله أن يفعل ذلك وإلا كان من الجاهلين.

 وكان ينبغي بعد هذا التوضيح أن يبادروا بذبح أي بقرة فبهذا جاء الأمر "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" ولكن تجلى العنت الإسرائيلي، ودارت مفاوضات شاقة بينهم وبين الله الذي أكرمهم وانجاهم من فرعون وأورثهم الأرض، واتخذ العنت الإسرائيلي مجاله في القشور والفرعيات ـ تماماً كما تفعل إسرائيل الآن ـ فطلبوا تحديد ماهية البقرة "قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى " لم يقولوا ادع لنا ربنا يبين لنا، وإنما قالوا لموسى "ادع لنا ربك" أي اعتبروا رب العزة رباً لموسى وحده أو طرفاً نقيضاً لهم في المفاوضات، وجعلوا من موسى مبعوثاً يتردد بينهم وبين رب العزة.

وذهب موسى وكلم ربه وجاء يقول لهم " قال إنه يقول أنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون" إذن انحصر اختيار البقرة بين الأبقار متوسطة العمر وبقى عليهم أن يفعلوا ما يؤمرون به.

ولكنهم وجدوا حجة جديدة" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول أنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين" أي انحصر الاختيار بين عدد محدد من الأبقار الصفراء ولم يعد لديهم عذر، إذ يمكنهم أن يذبحوا من بينها أي بقرة.

 ولكنهم ادعوا أنهم لم يعثروا على البقرة المنشودة "قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا" ومرة أخرى جاء لهم التحديد ببقرة معينة معروفة لا يختلف عليها اثنان"قال إنه يقول أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها" عندئذ اضطروا للتسليم وما كادوا يفعلون..

* وذلك الإرهاق الذي عاناه موسى منهم يذكرنا بالإرهاق الذي يعاني منه كل وسيط في المفاوضات بدءاً من (برنادوت) الذي قتله اليهود أثناء إقامة دولتهم إلى (يارنج) مبعوث الأمم المتحدة أيام النكسة إلى (بيكر) في وقتنا هذا .

البقرة والأرض المحتلة

ولكن ما السبب في ذلك التعنت اليهودي؟ لأنهم ارتكبوا جريمة ويحاول المبعوث في تفاوضه معهم أن يفوز بالحق . وتلك قصتنا مع إسرائيل،وتلك قصة موسى معهم أيضاً ، فقد قتلوا نفساً وحاول كل منهم أن يدرأ التهمة عن نفسه,فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة وأن يضربوا جثة القتيل بجزء منها وحينئذ يبعثه الله ليخبر عن قاتله "وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون،فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون" إذن هى جريمة ارتكبوها ولذلك تعنتوا مع موسى كل ذلك التعنت,

وكذلك يفعلون معنا .

لا يثقون بأحد

بل يهود اليوم أقسى قلباً من يهود عصر موسى فالقرآن تحدث عن قسوة اليهود اللاحقين التي صارت أقسى من الحجارة،وبعدها يسألنا رب العزة هل نطمع في أن يثقوا فينا وهم بكل ذلك التشكك والكذب "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ؟!

(" أمن لفلان ) أي وثق فيه واطمأن إليه،وأولئك لايثقون بأحد خصوصا إذا كان ضحية لهم،إذن هى مفاوضات شاقة ينبغي أن نصبر عليها،والصبرعليها أهون من حرب لانستطيعها،ويكفي أن العالم يؤيد حقنا ويقف إلى جانبنا .

الأرض المحتلة والعجل الذهبى:

   * حقيقة الأمر أن الأرض المحتلة هى العجل الذهبي المقدس لإسرائيل اليوم،وتقول  التوراة أن اليهود قبل خروجهم من مصر استعاروا ذهب المصريين (سفرالخروج12 ,36 : 37 ) وفي القرآن ما يفيد بأنهم حصلوا على الذهب عندما سلبوا جيش فرعون الغريق ما عليه من ذهب وزينة "ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم:20/ 87 " وحين ذهب موسى يكلم ربه صاغوا ذلك الذهب المصري عجلاً وعبدوه،وذلك العجل الذي عبدوه لايمت لهم بأدنى صلة،فهو ذهب مصري،وهو تقليد لعبادة عجل أبيس الفرعونية،وقد دمر موسى ذلك العجل وقال للسامري الذي صنعه "وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً20 /97 ". ومع تدمير العجل فلا يزال يمثل مدلولاً هاماً في النفسية اليهودية وهو تقديس ما يسلبونه من الغير وحجتهم أنه "ليس علينا في الأميين سبيل:3/ 75 " .

والقرآن يخبرنا بأن عبادتهم للعجل لاتزال تتملك شغاف قلوبهم "وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم2  /93 " وليس العجل الذي دمره موسى هو المقصود بالذات ، ولكن كل ما يمثله العجل من أرصدة  وذهب وبنوك يستحوذون فيها على حقوق الغير ويقدسون احتفاظهم بها،والأرض المحتلة هى العجل الذهبي لإسرائيل اليوم،والاحتفاظ بها نوع من الكهنوت الديني لدى الجيل القديم على وجه الخصوص،ذلك الجيل الذي ينتمي للماضي ويعيش فيه،لذا لانعجب إذا رأينا السيد شامير يجتر أساطير الماضي حتى في مؤتمراته الصحفية.

وبالصبر والمثابرة وبالتأثير على النفسية الإسرائيلية واقناعها بصفحة جديدة يمكننا أن ننجح في مفاوضات السلام.

* هذا ما نتعلمه من القرآن ..

 

ملاحظة

1 ـ سبق نشر هذا المقال فى جريدة الأحرار المصرية فى سلسلة (قال الراوى ) فى أوائل التسعينيات حين كان شامير رئيسا لوزراء اسرائيل .

وقتها كنت غافلا عن العدو الحقيقى لبلدى ، وأنه الاستبداد والفساد . وفى ظل الفساد والاستبداد لم يختلف اليوم عن الأمس حين كتبت هذا المقال من حوالى عشرين عاما .

2 ـ نتساءل :

هل اختلف الوضع اليوم فى الصراع الفلسطينى الاسرائيلى ؟ أم هو اليوم أسوأ فى ظل الصراع بين حماس و عباس ؟ وهما معا يمثلان الاستبداد العربى فى مواجهة الديمقراطية الاسرائيلية .

والى متى يظل الاستبداد العربى جاثما فوق قلوبنا شاهرا أسلحته فى وجوهنا ؟

ومن هو العدو الحقيقى لنا :أهو اليهود أم ذلك المستبد المفسد فى الأرض ؟

ومن هم الأكثر استمتاعا بالديمقراطية وحقوق الانسان : هل هو الفلسطينى الحاصل على الجنسية الاسرائيلية داخل اسرائيل أم العرب داخل غزة و الضفة و مصر و السعودية و ليبيا ووووو..؟

ولماذا لم يهاجر فلسطينيو 48 الذين يعيشون داخل  اسرائيل الى الضفة وغزة عندما قدم اليهما ياسر عرفات وأقام الحكم الذاتى ؟

وبالمناسبة ماهو الحد الفاصل الذى كان بين ميزانية جبهة التحرير الفلسطينية والميزانية المالية لياسر عرفات ، وقد كانت كل الأموال فى جيبه وفى ارصدة سرية باسمه ؟ وكم من المال استولت عليه أرملة عرفات السيدة سها ؟ وكم من المال استولى عليها غيرها من رفاق جبهة التحرير الفلسطينية المقربين لها ولزوجها الراحل ؟ وكل تلك المعونات الدولية التى تصل للاجهزة الفلسطينية فى غزة و الضفة هل يتم توزيعها بشفافية أم بالفساد والسرقة السرية و العلنية ؟

وبنفس الوضع : ما هو الحد الفاصل بين مالية المستبد العربى و ميزانية دولته ؟ لا فارق هنا بين الاردن و السعودية ومصر و ليبيا ..الخ .. ففى مصر لا يستطيع مجلس الشعب مناقشة مخصصات الرئاسة ولا مخصصات الدفاع ولا صفقات الأسلحة التى يتاجر بها الرئيس ، ونفس الحال فى السعودية والأردن وليبيا و ووو.. مع أن الوظيفة الأولى لأى مجلس نيابى هى المحاسبة والمراقبة فى ميزانية الدولة ؟ وهل نسينا أن أحد أعمدة الدولة الاسرائيلية اسحاق رابين قدم استقالته من رئاسة الوزارة لأنهم اكتشفوا أن لزوجته حسابا متواضعا فى بنك أمريكى ، وهذا مخالف للقانون ...فما بال أموالنا نحن العرب التى يهربها المستبدون الى الخارج ليستثمرها الغرب لحسابه ؟

وكم عدد الحكام الاسرائيليين الذين تعاقبوا على السلطة منذ عام 1969 الذى تولى فيه القذافى السلطة ؟ أو فى عام 1981 حين تولى مبارك ؟ وكم من الأعوام سيحكمها أبناء المستبدين الذين ورثوا الاستبداد مثل بشار الأسد و عبد الله فى الأردن ؟

ونختم بسؤال مؤلم : لماذا يتشوق ملايين المصريين والأفارقة المعدمين المقهورين للهجرة الى اسرائيل ؟

3 ـ  هل عرفتم من هو العدو الحقيقى لنا ؟ إنه المستبد العربى فى الداخل ، ولكى يطول بقاؤه فهو يوجه إحباطاتنا نحو اسرائيل وأمريكا ، ويشغلنا بفتن طائفية ومنازعات عرقية ليظل يركب ظهورنا وأكتافنا ، وفى كل وقت لا يملّ من ممارسة التعذيب للابرياء كى نزداد خوفا ورعبا .

اجمالي القراءات 24438