الجد والهزل

آحمد صبحي منصور في الخميس 21 ديسمبر 2006

فى الحياة أمور جدية يتناولها الإنسان بالهزل أو بالجد , وفى الحياة أيضا أمور هزلية قد يتناولها الإنسان بالهزل أو بالجد . وعن علاقة الإنسان بأموره الحياتية نصل إلى أربعة مواقف :

1- هزل فى ( الهزل ) 2- جد فى ( الهزل )
3- هزل فى ( الجد ) 4- جد فى ( الجد )

أين نحن العرب والمصريين من هذه المواقف الأربعة ؟

أولا : المواقف الهزلية :

* حسنا , أنت تذهب إلى مسرحية هزلية ( كوميدية ) لتنال قسطا من الترفيه , وهذا حقك بعد معاناة من الجد والكد فى العمل , ومن حقك وأنت تشاهد هذه المسرحية أن تهزل فى حدود المسوح . ولكن هذا الهزل الذى تراه على الشاشة أو على المسرح يكمن خلفه عمل غاية فى الجدية من الفنيين والفنانين , وعلى قدر الجدية فى العمل يكون نجاحه , ومن هنا يسقط الممثل الهزلى الكوميدى إذا تحول عن دوره الى الإسفاف أو "الهزل" ، بمعنى آخر فإن الجدية فى أداء الممثل لدوره الكوميدى هى أساس نجاحه , وهذا سر نجاح عمالقة التمثيل الضاحك بدءا من نجيب الريحانى إلى اسماعيل ياسين وكلاهما كان مشهورا بالحزم والجدية المتعنتة فى عمله وفى تعاملاته مع فريق العمل , وذلك المعنى أكده الممثل الكوميدى الأمريكى جاك ليمون فى مقابلة عبر الأثير مع التليفزيون المصرى فى التسعينيات . ومن هنا فإن أولئك الممثلين العمالقة فى دنيا التمثيل الهزلى ينجحون أكثر فى التمثيل الدرامى لانهم يؤدون عملهم بكل جدية للإستيلاء على مشاعر المشاهد وإبكائه أو إضحاكه .
** ثم تذهب لتشاهد مباراة لكرة القدم بين الاهلى والزمالك مثلا . والمفترض أنها "لعب" أى "هزل"، ولكن خلف هذا الهزل أكبر نسبة من الجهد العضلى والذهنى من الإعداد والترتيب والمنافسة الحادة بين اللاعبين , والويل لمن يهزل , إذ يكون هازلا فى الجد , مع أن الموضوع فى حقيقته "لعب" .
ومن المفترض أن يأتى الجمهور الى الملعب ليرفه عن نفسه , ولكن ذلك الترفيه يتحول إلي جدية كاملة فى تشجيع الفريق المختار, بل تتحول الجدية فى التشجيع إلى تعصب وحركات عنف . وهنا نجد أنفسنا أمام حالة غريبة , وهى أن الذين يذهبون للترفيه والهزل فى موضع الترفيه والهزل يبالغون فى الجدية إلى درجة التطرف أوالتعصب , وهذا شىء ممقوت . إلا أن الجد المطلوب فى موضع" اللعب" هو فى الإعداد والترتيب , وفى إختيار الكفاءات وفى الترشيح والإنتخابات لمجالس إدارات الأندية . ونحن نفعل ذلك بإيجابية وجدية شديدة نفتقدها فى حياتنا السياسية خارج الاندية الرياضية .
ونتسأل: لماذا هذا الجد فى الأمور الرياضية (اللعب والهزل) وحدها والذى يبلغ أحيانا درجة التعصب والتقديس؟
والإجابة لاننا فى المواقف الجدية نهزل ؛ خذ مثلا على ذلك التعليم والبحث العلمى و الانتاج واستغلال الموارد ، نؤديها بطريقة كوميدية هزلية بلا حماس و بلا اهتمام . أي أنا نهزل فى أمور الجد بينما فى اللعب ( الكرة والرياضة و التعصب للمغنيين والممثلين ) نجتهد وناخذها بجد ونجتهد فى الجدية إلى درجة التعصب. بعبارة أخرى , أننا نقوم بالتعويض , فإذا كنا لا نقدس العمل والسعى فى أمور الحياة الجدية ونجعلها فى هامش الشعور فإننا نستعيض عن ذلك بإفراغ كل طاقاتنا فى التعصب للأهلى أوالزمالك أو الإسماعيلى أو لأم كلثوم أو عبد الوهاب أوحليم أوفريد أو فيروز أو حتى لشعبولا وأمثاله ، وإذا كنا نتقاعس عن المشاركة السياسية من إنتخاب وترشيح فإننا كأعضاء فى النوادى الرياضية نتزاحم فى عمليات الإنتخاب والترشيح , واذا كان الشأن العام لا يشغلنا كثيرا أو قليلا بحيث تحولنا إلى أغلبية صامتة , فإن هذه الأغل هذه الأغلبية الصامتة لا تمل من الثرثرة فى مواسم الدورى والكأس المحلية والإقليمية والعالمية، واذا كانت صرخات المعذبين فى أقسام الشرطة وفى الجحور السرية والعلنية للاعتقال فان مئات الألوف على استعداد للتظاهر فرحا بانتصار الأهلى على الزمالك ، واذا كنا لا نأبه بالقراءة فى الفكر والثقافة و إذا كانت قراءتنا قد اقتصرت على بعض الجرائد والمجلات دون الكتب فإن أغلب مانقرؤه فى الصحف هو أخبار الرياضة والمباريات أما صفحات الثقافة والفكر والسياسة فقد لحقت بصفحات الوفيات ، واذا كان العرب والمسلمون يقتلون أنفسهم بايديهم فى افغانستان و العراق و السودان و تشاد وفلسطين و لبنان فان هذا لا يهم أحدا لأن الاهتمام منصب على تغطية شعر المرأة فهذا هو قدس الأقداس، و اذا كانت حقوق الانسان العربى والمسلم ضائعة ومسلوبة ومستقبله ضائع وغامض بين الاستبداد والفساد وبين التمديد لحاكم فى أرذل العمر أو توريث لفتى مترف فان الأهم لدينا هو النقاب ومشروعيته و الأهلى و انتصاراته ، و ما يقوله أهل الزمالك فى غيرتهم من الأهلى ، و ما هو الجديد فى قضية انتحار أو استنحار السندريلا سعاد حسنى. والنظم المستبدة تربى جماهيرها على الولع بالهزل ، وتطعمه الهزل حتى اصبح ادمانا لا بد من اشباعه كل وقت ، لذا تلفق كل مدة حادثة أو قضية لشغل الرأى العام بها عن قضاياه المصيرية والمعاشية ، و يتم تلفيق التهم والقبض على أشخاص بزعم أنهم تنظيمات سياسية أو دينية أو اباحية ، او حتى اجرامية ، وتقوم أجهزة الاعلام بالتضخيم و التهويل تكرر ما قاله أديب مصر الراحل نجيب محفوظ فى رائعته ( اللص والكلاب ) ثم تهدأ الضجة و ينساها الناس ، و يفوز الحاكم بمهلة من الوقت ، بفكر بعدها فى ملهاة جديدة للجماهير. وفى بلاد يستيقظ فيها الحاكم كل يوم يقول : (اللهم اجعل هذا اليوم يفوت على خير ) خوفا من مصير مجهول ينتظره فان شغل الجماهير بالتفاهات أمر ضرورى حتى تظل تفرغ طاقتها فى الهزل بعيدا عن الجد، لأن هذا الجد هو أكبر عدو للحاكم المستبد.
لا بأس بأن نهزل فى وقت الهزل وموضع الهزل للترفيه و الترويح بعد عناء يوم شاق من العمل الحقيقى المثمر. بل لا بأس أن نجد فى أمور الهزل , ولكن حين يتحول الجد فى أمور الهزل إلى تطرف وتعصب فإن ذلك يعنى حالة مرضية، والأفظع أن نتخذ هذا الهزل طريقا نهرب فيه من الواجب الحقيقى المفروض علينا نحو أنفسنا و أولادنا وحاضر ومستقبل بلدنا ، وهو العمل الجدى فى استعادة الكرامة ومقاومة الاستبداد والفساد والتلاعب بالدين فى سوق الطموح السياسى . أننا هازلون فى أمورنا الجدية من ثقافة وفكر وسياسة وإقتصاد ودين بينما نفرغ طاقتنا فى التعصب لهذا النادى وذاك ونتجادل و نتعارك فى هذه القضية التافهة او الجانبية هنا وهناك بينما سفينة الوطن على وشك الغرق وهى تسبح نحو المجهول. بإختصار تطرفنا فى تحويل الهزل إلى جد فتحول الجد فى حياتنا إلى هزل .
وبذلك ندخل على موقفنا فى أمور الجد .
ثانيا: المواقف الجدية :
إذا كان لا بأس من أن نتعامل فى الأمور الهزلية بشىء من الجدية فإنه بالتالى لا يمكن أن نتعامل مع الأمور الجدية الإ بالجدية الكاملة . وإلا فإن التخلف والانسحاق هوالمصير الحتمى لمن يهزل الآن فى وقت الجد . نحن الآن نعانى من تخلف وسط عالم تتقدم خطاه كل دقيقة بل كل ثانية , عالم ثورة الأتصالات والمعلومات والتكتلات الإقتصادية والسياسية العملاقة، وبدلا من اللحاق بالعصر فاننا نجتهد فى اللحاق بالماضى والسلف الصالح وغير الصالح ، وبينما يتجه العالم الآن نحو السلام والقرية الكونية الواحدة فاننا نجتهد فى تفتيت أوطاننا بالطائفية وبها نقتل أنفسنا بانفسنا ونقطع شراييننا الحيوية والحياتية. ان الأخبار السيئة فى القرية الكونية الحالية لا تأنى إلا من عندنا ، يبكى لها مثقفو العالم ويتحسرون بينما نحن عنها لاهون..

ونعطى مجرد أمثلة للهزل فى شئون حياتنا :

1- التعليم هو صناعة الإنسان , والثروة الحقيقية فى مصر هى السكان , ومصر ليست هبة النيل , لأن النيل يمر بعدة دول وأمم وقبائل , ولكن الإنسان المصري هو الذى بدأ الحضارة , فمصر هى هبة المصريين , وبالتعليم الجاد يتحول التكاثف السكانى المصرى إلى قوة فاعلة ومؤثرة داخليا وخارجيا.
ولكن التعليم لدينا هزلى . فالمدرسة هى بناء ومدرس وتلميذ . وقد نخر الهزل فى هذه الحلقات الثلاث , فعندما وقع زلزال أكتوبر عام 1992 كشف عن الهزل فى بناء المدارس الحديثة التى إنهارت سريعا، المدرس الذى لا يعمل بالدروس الخصوصية يعمل بعد الدراسة سباكا او بائع أنابيب البوتاجاز ، والتلميذ لا يرى المدرس بسبب كثافة العدد ، ولا يحترمه ولا يتمنى ان يكون مثله فى المستقبل ، و التلميذ يعلم ان التعليم لم يعد مجديا حيث لا يجد خريج الجامعة عملا إلا إذا كان أبوه ثريا أو صاحب نفوذ ، عندها يجد الوظيفة التى لا يحتاج اليها بينما يقف خريجو الجامعات الفقراء لا مأوى لهم سوى التطرف او الانحلال. هذا وضع هزلى بالتاكيد يؤكده أن العملية التعليمية لحقها الهزل فى شتى نواحيها من الحشو و السطحية فى المقررات الدراسية الى طريقة التلقين والغش فى الإمتحانات والدروس الخصوصية . وهذا يعنىأننا " نتظاهر " بتعليم الأولاد بينما هم يتعلمون الجهل وبه يتخرجون ، و"نتظاهر" بعقد امتحانات لديهم . ونحن نعرف أن الإمتحان شكلى قائم على الغش وأن نتائج الامتحانات غير معبرة عن المستوى الفعلى للتلميذ .. فأين الجدية فى صناعة الانسان المصرى؟

2 ـ ثم إذا تخرج الطالب فى مراحل التعليم هذه ووجد عملا فلا يمكن إلا أن يهزل فى الجد بعد أن عرف فى دراسته الهزل فى الجد , فالمدرس الذى يحول الامتحان فى المدرسة إلى غش يسهل عليه وهو يؤدى عمله فى الانتخابات أن يقوم بتزويرها لصالح الحكومة أو العصبيات المتحكمة . والموظف الخريج الجديد حين يعمل فى دوائر الحكومة "يتظاهر" بأنه يعمل " لأن الحكومة هى الأخرى تتظاهر بأنها تعطيه "أجرا" . والهزل يغلف العلاقة بين الحكومة وموظفيها , فالموظف لايعمل ومرتبه لا يكفيه, وعلى أصحاب المصالح أن يحلوا المشكلة بالرشوة والتحايل , وتتكاثر مشاكل أخري من الروتين والبيروقراطية والفساد والقضايا والمحاكمات , والخلاصةأن الموظف يعمل أقل قدر من وقته ليهدر أوقاتا ثمينة للجمهور وأموالا طائلة علاوة على الفساد وملحقاته.

3 ـ ولا يسلم التعامل مع القانون من هذا الهزل .
فالهزل يصاحب التزوير فى الانتخابات , وينشأ عنه انتخاب من لا يستحق ومن لا يحضر جلسات مجلس الشعب , وإذا حضر فلكى يستجدى التوقيعات أو يقوم بالتصفيق , وبناء عليه تصدرالقوانين الهزلية المسلوقة بدون دراسة كافية أو لمصالح خاصة , فلا يتحقق لها الإقتناع الشعبى ويصبح من السهل تجاهلها والإلتفاف حولها.

4 ـ والأخطر من ذاك أن يتسرب الهزل إلى القررات المصيرية فى غيبة المؤسسات الشعبية والنيابية . وقد رأينا مصائب عظمى ترتبت على قرارت هزلية مثل حرب 1967 ومثل حرب العراق مع إيران , ثم حرب العراق فى الخليج ، وتلك المصائب العظمى الثلاث جاءت بقرارات هزلية من حاكم مطلق ويتعين على الأجيال المصرية والعراقية والعربية أن تدفع مستحقاتها على الأقل لمدة نصف قرن من الزمان. و لأننا منهمكون فى الهزل دون دراسة جادة للأخطاء السابقة فاننا نكرر نفس الأخطاء الآن فى العراق وفلسطين والسودان وغيرها ، ونفكر بنفس العقلية الماضوية والاستبدادية ، أى أن الأجيال القادة ستدفع فاتورة هذا الهزل الدامى كما ندفع الان فاتورة عبد الناصر. و يبلغ الهزل مداه فاننا نلقى باللوم على المؤامرات الخارجية من اسرائيل الى امريكا . والقاء اللوم على الخارج يعفى الحاكم المستبد من المسئولية فيزداد استبدادا وفسادا .

5 ومن الطبيعى أن هناك صورا عديدة للهزل فى النواحى الثقافية والأبحاث العلمية والعلاقات الاجتماعية والإنسانية على مستوى الأفراد وفى الشارع وفى دواوين الوزارات، ولكن كل أنواع الهزل ترجع إلى منبع واحد إذا عالجناه أمكن علاج ذلك الإهمال والتسيب والهزل .. إنه التدين .. وهنا ندخل على العلاج ..


العلاج:
إن العلاج يبدأ بإصلاح التدين لدينا. ان تديننا فى حقيقته قصة مؤسفة من الهزل مع الله تعالى والاستخفاف بدينه ، نتج عنها أن اتخذنا حياتنا لهوا ولعبا بعد أن اتخذنا ديننا لهوا ولعبا. .
إن "الدين" هو ذروة الجد , أو هو "الحق" الذى يستحق "الجهاد" و "الصبر"، و"التدين" هو طريقة التعامل مع دين الله تعالى , وقد يكون التدين جادا قائما على الخشوع لله تعالى وطاعة الله ورسوله بالإيمان والعمل الصالح الجاد النافع للمجتمع , وقد يكون التدين هزلا تتحول فيه الجدية إلى سخرية .
ونعطى بعض الأمثلة على اتخاذنا الاسلام هزوا ولعبا وهو قمة الجد:
1 ـ إن الله تعالى يقول عن القرآن الكريم (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ): الطارق 14:13 ) وحتى نفهم خطورة هذا التحذير القرآنى نقرأ ماقبله وما بعده (وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) . أى ان القرآن الكريم لامجال فيه للهزل بأى حال. انه "بلاغ" بإنذار إلاهى من الله تعالى للناس , يقول تعالى عنه (هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ : ابراهيم 52 ) . وتخيل أنه جاءك بلاغ أو استدعاء من النيابة أو قسم البوليس ، هل ستجعل ذلك البلاغ قصيدة تنشدها وتتغنى بها ؟ أم تقرؤها بخوف ورهبة ؟. إن علينا أن نقرأ القرآن بقنوت وخشوع وتدبر ، وأن نستمع إليه فى إجلال وإكبار . أما إذا تحول القرآن لدينا إلى مجرد أغنية وصوت جميل لفلان وفلان فقد دخل الأمر فى الهزل وهذا ما يحذر منه رب العزة جل وعلا ، إذ يقول (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا) ( الكهف 56 ) .
2- إننا حين نذكر الله تعالى أو ندعوه، فعلينا أن نفعل ذلك فى خشوع وتضرع وخفوت صوت , يقول تعالى عن تشريع الدعاء (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ : الأعراف 55, 56) ويقول تعالى عن تشريع ذكر الله بالتضرع والخوف وخفوت الصوت (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) : الأعراف 205) ولكن هذا التشريع يتحول عندنا إلى لهو ولعب وغناء وإنشاد وحفلات للتسلية . أى يتحول الخشوع وهو قمة الجد إلى سخرية وهى حضيض الهزل . ولكى تدرك ذلك تخيل ابنك يرجوك أن تعطيه المصروف ، والمفروض أن يطلب منك ذلك فى أدب واحترام , فاذا جاءك يطلب منك المصروف وهو يغنى ويرقص ومعه زملاؤه، ألا تعتبر ذلك سخرية منك واعتداءا على الإحترام الواجب لك ؟واذا كان ذلك اعتداءاعلى حق الأبوة فكيف بحق الله جل وعلا ؟ ومن هنا نفهم قوله تعالى لنا (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .
3- وفى الصلاة حين تقف أمام الله تعالى – اذا كنا من المصلين – فإن العادة أن ينشغل القلب بكل شئ عدا الصلاة , مع أن بعضنا إذا وقف متضرعا أمام أحد الأضرحة فلا يمكن أن ينشغل عن خشوعه أمام الضريح بأى شئ آخر .وبعضنا إذا وقف أمام أحد رؤسائه فلا يمكن أن يقف أمامه لاهيا او متثائبا أو متكاسلا .

4- وحتى الذين يؤدون العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج يعتقدون أن تأدية العبادة هدف فى حد ذاته , فإذا قاموا به فلا عليهم أن عصوا وبغوا فى الأرض ، فهذه نقرة وتلك نقرة , وبعضهم يتاجر بهذه العبادات ويطلب أجرها من الناس فطالما أصبح متدينا صاحب لحية وجلباب فعلى الناس احترامه وتقديسه واعتباره ممثلا للإسلام وله أن يستطيل عليهم آمرا ناهيا ، وغاب عن الجميع إن العبادات فى الإسلام وسائل للتقوى ولحسن التعامل مع الله تعالى ومع الناس ومع البيئة , وأن العبادة إذا كانت هدفا فى حد ذاتها أصبحت وسيلة للرياء والفساد فى الأرض والتجارة بالدين ! أو بعبارة أخرى أصبحت مجرد هزل بمثل ما كان المنافقون يفعلون فى صلاتهم فى عهد الرسول محمدعليه السلام , يقول تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) : النساء 142)
إن التقوى هى قمة الخشوع وقمة الجدية . ومعناها أن تتقى الله تعالى فى عبادتك فتخلو من الرياء , وتتقى الله تعالى فى عملك فتحسن القيام به , وتتقى الله فى تعاملك مع الناس فتحسن للناس وتكون مصدر خير لهم , وتتقى الله تعالى فى تعاملك مع البيئة فلا تلوثها ولا تفسدها وتعمل على نقائها ونظافتها فى الماء والهواء والشارع والمكتب والمصنع .
وإذا حققنا هذه التقوى فى تعاملنا مع الله تعالى ومع الناس ومع البيئة فلن يكون لدينا وقت للهزل إلا للمباح منه .. وإلا كنا من الذين اتخذو دينهم لهوا ولعبا وخسرو الدنيا والأخرة . وهذا هو مصيرنا إن لم نبادر بالاصلاح من الداخل.
5 ـ هذا الانسان المتقى لا يمكن أن يخشى إلا الله تعالى لأنه يؤمن ايمانا حقيقيا أن حياته وموته ورزقه والمصائب المقدرة عليه كلها بيد الله تعالى وحده. وبالتالى فلا يخشى الحاكم المستبد ، ولا يرضى بظلمه و يعلم أن عدوه الحقيقى هو الذى اغتصب السلطة والثروة وارتكب التعذيب والقتل و الفساد ، ثم يشير الى الاتآمر الخارجى لخداع الناس ، ويغرقهم فى قضايا هزلية ليلهيهم عن السعى الجدى لانقاذ كرامتهم ومستقبل بلدهم و أطفالهم. وجود آلاف من نوعية هذا المؤمن التقى الجاد يمكن أن يحدث تغييرا حقيقيا.
6 ـ الخطورة هنا حين نعتبر جماعات الجهاد و الاخوان ممثلين للاسلام وجهاده وجديته. ولذلك لا بد من البدء من الاصلاح الدينى لاثبات التناقض بين الاسلام والمنهج الفكرى والعقيدى لتلك الجماعات. بالاصلاح الدينى يتم تنقية التدين لدى المسلمين ، ويمكن من خلاله تحجيم اولئك الذين حملوا راية الاسلام للوصول الى السلطة والثروة فى منظومة تنافسهم مع العسكر. بالاصلاح الدينى يمكن للاصلاح السياسى و الاقتصادى والتعليمى والثقافى أن ينجح لينتج لنا أفرادا يؤمنون بأن حقائق الاسلام هى تطبيق حقوق الانسان فيما يخص السلوك والتعامل مع الناس ، وأنه لا بد من العمل ( الجاد ) فى سبيل اقرار هذه الحقوق لكل المواطنين بلا تمييز وعلى قاعدة المساواة والعدل ، تاركين الحكم على العقائد الى الله تعالى يوم القيامة.
بالاصلاح الدينى يمكن ان نجدّ فى الجدّ لاصلاح تركة ثقيلة كئيبة ،ولا مانع من ان نهزل فى أوقات الفراغ ـ اذا تبقى وقت فراغ..
اجمالي القراءات 45696