الدعاء و آلية تفعيله و احتمالات تحقق الإجابة

مصطفى فهمى في الخميس 11 ديسمبر 2008

الدعاء و آلية تفعيله و احتمالات تحقق الإجابة                     (09-08-2008 إصدار2.04)

دعوة للتفكر
إن اللاحق فى هذا البحث لهو دعوة للتفكير و التفكر و العقل  و التدبر لما هو وارد إلينا و مشهور لدينا بالنقل سواء كنا من العامة أو من الخاصة، من فقه و تفسير و أثر - وهو بالضرورة ليس كل ما قيل - نأخذه مأخذ المسلمات و نقدسه و نلحقه بالشارع سبحانه و تعالى و نجزم و نرهب الناس أن هذا مراده و حكمه.
تم اختيارى لموضوع مشهور فى العقيدة أو الأثر أو اللغة قد يكون صادما لأغلب الناس و ذلك عن عمد ليكون مثال لعموم الحال و ليس لخصوص الموضوع.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) البقرة}
{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (71) الصافات}

تمهيد
لقد أختلف الناس على مر الزمان و اختلط عليهم فهم الفرق بين التواكل و التوكل و هل الإنسان مخيراً أم مسيراً فى الحياة الدنيا؟ و ما هى حدود مسئوليته عن أفعاله و أعماله أمام الله؟ و ما هى قدرته و مدى تحكمه فى الحصول على نتائج تلك الأعمال و الأفعال عند الأخذ بأسبابها؟ و منها الدعاء لله، - بمعنى الطلب منه - و أختلط عليهم كيفية استجابة الله للدعاء و آليته و هل إجابة الدعاء لها نظام إجابة مستقل؟ و متى تكون الإجابة؟ و كيف تكون؟ و لماذا تتحقق؟ و لماذا لا تتحقق؟.
إن تلك التساؤلات واختلاف الإجابة عليها فى كل مكان و على مدى الزمان و الإخفاق فى التبرير عند عدم حصول الإجابة، فى رأينا كان نتيجة التفات المفسرين و من أتبعهم من التابعين، عن أن الدعاء هو سبب من ضمن الأسباب التى أتاحها الله لنا ضمن ناموسه و مشيئته(1)، و تفعيل ذلك الدعاء و الحصول على آثاره يخضع لنفس مبدأ الأخذ بالأسباب مثله مثل باقى الأعمال فى الدنيا فى ظل وجود قضاء الله(2) و تشكل القدر(3) و تأثيره فى الحياة الدنيا

ملحوظة هامة: نرى من الضرورى لتمام الفائدة و فهم القصد، قراءة بحثنا فى موضوع المشيئة و العلم الإلهى و القضاء وتشكل القدر و مدى الاختيار فى الحياة الدنيا المنشور بتاريخ 19- 10- 2008 فى هذا الموقع على الرابط 
 (http://www.ahl-alquran.com/arabic/add_article.php?main_id=4268)

و نحاول فيما يلى و حسب قدرتنا المتواضعة أن نستوضح تلك المنظومة التى تبدو مركبة معقدة لمن يضع أمامه حاجز استصعاب الفهم، وهى فى الحقيقة واضحة و بسيطة، لمن يستعين بالعقل فى فهم رسالة الله الموجهة لنا من خلال آيات القرآن و بالمنطق البسيط المنضبط من خلال العقل الممنوح المتاح لنا من الخالق، وعلى كل قارئ أن يصل بنفسه لقناعة تعينه فى حركته فى الحياة التى هى معبر لحياة الآخرة، و الله المستعان

للإجابة على تلك التساؤلات نبدأ بالاستعانة بالآية الشهيرة فى الدعاء من سورة البقرة و محاولة فهمها، التى فى رأينا أن تفسير المفسرين لها و التابعين لهم هو الذى خلق كل ذلك الخلط و نعضد فهمنا لها بآيات تالية لها تؤمن لنا فهمنا

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة}
فإننا نرى أن تلك الآية هى الأهم من آيات أظهار الربوبية التى تخاطب العقل، و هى أيضا مفتاحنا لهذا البحث و نفهمها على الوجه التالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} أى يا محمد قل لمن يسألك عنى من عبادى، { فَإِنِّي قَرِيبٌ} أنى أنا الله، ناموسى و قوانينى موجودة فى كل مكان و زمان و محيطة و فاعلة بكل عبادى بلا استثناء - المؤمنين بى منهم وغير المؤمنين - {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} أسبابى هى فقط الفاعلة فى الكون، و هى متاحة لهم بلا استثناء و لا توجد غيرها فى متناولهم لتحقيق مسائلهم إذا سُعىَ بها بحقها سواء بخير أو بشر، {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي} فليسلموا لإلوهيتى طواعية و ليرتضوها، و ليعملوا بحسب مشيئتى و هداى، {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} فبذلك يكونوا على عقل و فقه بأنه لا سبيل غير سبيل الله ليصبحوا على الحق و الصواب.

{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (14) الرعد}
{أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (62) النمل}
و هذه الآيات تؤكد معنى الآية السابقة بأن إنجاز المسائل لا يمكن أن يكون إلا باستدعاء و استحضار واستعمال القانون الإلهى الحاكم عليها فقط و إلا يضل ذلك العمل و يكون بلا إجابة
فلا يمكن لأى لمخلوق كالإنسان مثلا فى سعيه أن يلتفت عن النواميس الكونية الإلهية الحاكمة لكل المخلوقات و القوانين الهادية للبشر خلال سعيه، ثم ينجح بما سعى به إلى ما سعى إليه.

قانون السببية الإلهى (لحدوث أثر لابد من سبب) و دعاء المسألة و قضاء الحاجة
إن قانون السببية من ضمن قوانين الله القائمة بمشيئته و لا يتغير و لا يتبدل، و لا يوجد له بديل، و عليه يكون إجابة المسألة دائما معلقا على فعل السبب بالطريقة التى وضعها الله {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) الفتح}
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) لقمان}
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) الجاثية}
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) الكهف}

و ما الدعاء إلا استدعاء للأسباب لإجابة المسائل
إن الله خلق الكون وخلق نواميسه و قوانينه الثابتة (مشيئة الجبلية) بحيث أن الفعل لا يتم تفعيله و حصول أثره إلا بتوفر أسبابه، فمن ناحية أنه لا يمكن لمخلوق عمل فعل سواء كان نافعا أو ضارا خارج النواميس و القوانين الإلهية، و أن أى فعل أو أثر فعل لا يمكن أن يخرج عن مشيئة الله الجبلية التى جبل عليها الخلق، و من ناحية أخرى أنه لا يمكن للعمل أو الفعل أن يعمل أو يفعل و ينتج أثرا بذاته، أى أن أى فعل لا ينتج أثرا إلا بالأخذ بأسبابه حسب النواميس و القوانين الإلهية {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) المرسلات}
إن من تلك النواميس و القوانين الكونية الجبلية نواميس و قوانين تكشفت لنا و بالتالى نرصد آلية عملها و نتائجها و منها ما لم تتكشف لنا و لم نرصد آلية عملها ولكن نرى و نشاهد آثارها، و فى كل الأحوال نقوم باستعمالها و الأخذ بأسبابها لقضاء الحاجات و الوصول إلى الغايات، لعدم وجود بديل آخر معروف لدينا و لثقتنا حسب علمنا فى ثبات نتائجها
و من الأمثلة العامة القريبة على ذلك أن من زرع حصد ثمارا، أى للحصول على الناتج أو الأثر المطلوب يجب عمل و فعل مناسب ولازم له، أى لا يمكن الحصول على أثر معين بفعل غير مناسب له، أى أن الزرع هو السبب المناسب الظاهر لنا لحصاد الثمار و هذا هو القانون العام، فإن كانت هناك ضوابط و تفاصيل يجب توافرها فى فعل الزرع للحصول على النتائج المطلوبة وهى الثمار، فكلما توغلنا فى ضبط تلك الضوابط و التفاصيل كلما زاد احتمال تحقق الثمار و جودته و يكون ذلك:
أولا: بتطبيق الضوابط و التفاصيل المعلومة لدينا سواء بالعلم أو التجربة أو عن طريق المشاهدة و المحاكاة، لتفعيل القانون ( سواء كنا نفهم ماهية تلك الضوابط التى تفعّل القانون أو لا نفهمها)
ثانيا: الاعتقاد و اليقين سواء عن إيمان بالله أو بدونه، بأن هذا القانون هو السبب المناسب القائم والفاعل و الثابت لحصول النتيجة و إلا ما كنا زرعنا (سواء كنا توصلنا و رصدنا آلية التفعيل أو لم نتوصل لها)

و على ما سبق نقول أن فعل الزرع هو فى ذاته دعاء أو استدعاء لسبب إلهى يُفعّل قانون خَلقه الله ليكون الأثر الذى هو حصاد الثمار هو إجابة الله من خلال قانونه، و إن كل ما نقوم به من أعمال و أفعال لقضاء الحاجات و نيل الغايات - حسب فهمنا- هو نوع من أنواع دعاء سؤال الله ولكننا فى أغلب الأحيان - بدون تعقل أو تفكر - نعتقد أنه فقط بقدرتنا البشرية و علمنا الذاتى، أنه بالزرع يكون حصاد الثمار و نسهى عن أننا استدعينا قانون و أعملنا سبب، له صاحب و بديع.
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) الواقعة}

هل أثر القول كأثر الفعل فى تفعيل القوانين الإلهية؟
{فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) الزمر}
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) الروم}
إن الدعاء بالقول لله، كالدعاء بالفعل هو فى حد ذاته إرادة عمل و فعل له طاقة و يُفَعّل قوانين لا نعلمها و يحدث أثرا و لا يخرج عن قاعدة الأخذ بالأسباب مثل عمل و فعل الزرع وله قانونه الكونى الإلهى الذى يحكم أسبابه و آلية تنفيذه و يفَعّله.
و الدعاء بالقول فى المسائل التى لا نملك أسبابها - انقطعت بنا أسبابها - أو لا نعرف كيفية تحقيق و أدراك الأثر فيها، هو فى حد ذاته أخذا بسبب أتاحه الله لنا، و يفَعّل قانون إلهى،
و إن كان قد كشف لنا عنه و عن فاعليته
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر}
و إن كان لم يكشف الله لنا ماهية آلية تفعيله ضمن قوانين الناموس الإلهى
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) الإسراء}،

و عليه أن الدعاء بالقول هنا كالدعاء بالفعل، هو أخذ بسبب لتفعيل قانون من ضمن قوانين الناموس التى تستخدم لقضاء الحاجات و إنتاج الآثار لنيل الغايات و له استعمالاته كباقى القوانين التى نستعملها و لا نفهم آليتها ولكن كشف الله لنا فاعليتها و أخبرنا عن وجودها و ضوابطها و نشاهد آثارها.
و يتعين علينا أن نفهم و نثق و نعتقد أن الدعاء بالقول لله هو سبب إذا استعملناه بضوابطه متفردا حين تتقطع بنا الأسباب تتحقق الإجابة، و هو سبب مساعد و ميسر إذا استعملناه مع أى من الأسباب الأخرى عند الطلب لأى من المسائل المتاحة.

و لما سبق يكون كل دعاء من أى من العباد المؤمنين و غير المؤمنين هو استدعاء قانون من قوانين الله و لا يجب أن نفترض أن الدعاء لله بمسألة هو دعاء قولى فقط يذكر فيه الحاجة، ولكن يكون الدعاء لله هو كل أخذ بسبب لإنتاج أثر لنيل غاية.
سواء بعمل أو بفعل {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)} الواقعة
و تم عن إيمان بالله {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} الأنبياء
أو تم عن غير إيمان {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا (67)} الإسراء
و الدعاء بالقول أو الفعل، يكون له نتائج و آثار منطقية لما ارتضيناه بأنفسنا لأنفسنا و لغيرنا {وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا (11)} الإسراء

احتمالات تحقق إجابة الدعاء أو السؤال
أن سؤال الله بالعمل أو بالفعل أو بالقول (الدعاء باستدعاء الأسباب) و أثره و نيل الغاية (الإجابة من عدمها) يكون بالضرورة محكوم بنواميس الله وبقوانينه الثابتة (المشيئة الجبلية)، أى أن الله هو الذى أذن و شاء بإمكانية تحقق العمل أو الفعل أو القول و إمكانية حدوث أثره، حين خلق و فَعّل القانون الذى يتيح إمكانية تحققه عند الأخذ بأسبابه (قانون السببية)، أى أن الله هو المتيح و الفاعل أولا و آخرا
{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} الكهف
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)} المرسلات
و أن احتمالات إدراك إجابة دعاء العبد من الله - سواء كان دعاء بعمل أو بفعل أو بقول، بخير أو بشر - يكون حسب قدرة هذا العبد على إتقان استعمال الأسباب المتاحة لتفعيل الناموس و القوانين فى سعيه، و تكون إجابة الدعاء و أثره و نيل غايته متأثرة و محكومة بتفاعل القدر و تشكله الذى ينتج من حركة كل المخلوقات المتقاطعة و المتشابكة و الملتقية مع سعيه فى إطار الناموس و القوانين الكلية، فإما أن تتشكل و تتحقق إجابة مثالية حين تتفق نتائج و آثار تفاعل القدر و تشكله مع مراد الداعى و مدى إتقانه أو لا تتحقق أو تتشكل الإجابة حين لا يتفق ذلك التفاعل، و بين الحالين تتفاوت درجات الإجابة .

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) سباء}

هذا قولنا و فهمنا من مكاننا و فى زماننا و حسب علمنا و يجب أن يأتى من بعدنا من يفعل مثلنا.
و الله أعلم
مصطفى فهمى

__________________________________________________ 

1. المشيئة الإلهية: هى إرادة الله التى أرادها و لا يسأل عنها و سنته التى لا تتبدل فى كل مخلوقاته و لكل خلقة و هى ثلاث
الأولى مشيئة الجبلية: هى أراده الله فى خلقه والتى جَبل الله عليها كل مخلوقاته بما يراه و يريده فكان قضائه المطلق "بكن فيكون" من ناموس و قوانين وسنن كونية ثابتة لا تتغير و لا تتبدل وهذه المشيئة تطول كل الخلق و تحيط بهم ولا طريق أو سبيل لتغييرها أو الفكاك منها بل الخضوع لها هو الأمر المحتوم ولا يُسأل الله عنها، لكن استعمال ما يكشفه الله لنا فقط هو المتاح ( الأخذ بالأسباب)
الثانية مشيئة الحرية: هى الحرية التى ارتضاها الله لعباده و شاء أن تكون لهم لتصبح حجة عليهم عند الحساب، فجعل سماحته بتلك الحرية التزام عليه حتى لو كانت تلك الحرية السبيل لكفرهم به
الثالثة مشيئة الهداية: هى المشيئة التى قررها و ارتضاها الله لهداية عباده المكلفين (وصاياه و أوامره و حدوده) بما يراه لصلاح حركة الحياة الدنيا و ترك لهم حرية واختيار إتباعها

2. قضاء الله: هو وضع مشيئته الجبلية المطلقة (الناموس و القوانين الكونية) موضع التنفيذ "بكن فيكون" و تقدير مقدارها
وضع مشيئته االهادية (وصاياه و أوامره وحدوده) موضع الإبلاغ "عن طريق الرسل".

3. القدر:هو ناتج عمل تفاعل الناموس و القوانين الكونية وحركة المخلوقات فى المكان و الزمان
و يتشكل القدر بتفاعل كل عناصره الموجودة من مخلوقات الله (التى نعلمها و التى لا نعلمها و المعلومة لديه لأنه الخالق) و ذلك التفاعل ينتج آثاره التى نعلمها و التى لا نعلمها و المعلومة لديه لأنه العليم

المراجع
(1) العقل للفهم. (2) القرآن بفهمه بالعقل. (3) القاموس لمعرفة لسان العرب (4) موضوع المشيئة و العلم الإلهى و القضاء وتشكل القدر و مدى الاختيار فى الحياة الدنيا المنشور بتاريخ 19- 10- 2008 فى هذا الموقع على الرابط (http://www.ahl-alquran.com/arabic/add_article.php?main_id=4268 )

اجمالي القراءات 28085