هل كان النبى محمد (أمى) لا يكتب و لا يقرءا من كتابة

مصطفى فهمى في الأحد 23 نوفمبر 2008

دعوة للتفكر فى النبى الأمى         بحث مختصر 08-03-2008 إصدار 1.03

إن اللاحق فى هذا البحث لهو دعوة للتفكير و التفكر و العقل و التدبر لما هو وارد إلينا و مشهور لدينا بالنقل سواء كنا من العامة أو من الخاصة، من فقه و تفسير و أثر - وهو بالضرورة ليس كل ما قيل - نأخذه مأخذ المسلمات و نقدسه و نلحقه بالشارع سبحانه و تعالى و نجزم و نرهب الناس أن هذا مراده و حكمه.
تم اختيارى لموضوع مشهور فى الأثر قد يكون صادما لأغلب الناس و ذلك عن عمد ليكون مثالا لعموم الحال و ليس لخصوص الموضوع.

ونستشهد لهذه الدعوة بالآيات التالية بوجوب إعمال العقل وعدم القصر على النقل غير العاقل و التشبث به.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) البقرة}
{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (71) الصافات}

هل كان النبى لا يكتب و لا يقرءا من كتابة ؟

تمهيد
إن الإصرار على أن النبى الرسول محمد كان لا يخط و يكتب و لا يقرءا من كِتابة، و تخصيص السابقين و من يتبعونهم من الناقلين بلا عقل بتفسير كلمة (الأمى) الواردة بآيات القرآن المتصلة بذات الموضوع بأنها تعنى من (لا يخط و لا يكتب) لهى محاولة يجنبها الصواب، حيث كان أساسها محاولة لنفى تهمة تأليف و كتابة القرآن عن محمد النبى الرسول و هى تهمة وقعوا فى أسر ضرورة نفيها سواء للرد على المبطلين الذين اتهموا محمد النبى الرسول بتأليف و كتابة القرآن، - القدامى منهم و المحدثون- أو لنفيها لمن أتبعوه و آمنوا به حتى لا يصل إليهم الشك فى قضية الوحى، و بالتالى أصبحت فلسفة ضرورة إثبات جهل محمد النبى الرسول بالخط و بالكتابة ضرورة ملحة لإثبات ما وقعوا فيه و اِستُدرجوا إليه سواء عن جهل أو عن غيرةُ أو للدفاع عن ما و صل إليه السلف و نٌقل عنهم باعتباره مقدس و ملحق بالدين و أدخلوه فيما افترضوه بأنة من المعلوم من الدين بالضرورة! ولا تجوز الحيدة عنه أو مناقشته حتى و لو كان ذلك بلى عنق السياق القرآنى و تقديم الأثر على القرآن بما يخالف صريحة وتغاضوا أو تناسوا أن القرآن يشرح بعضه بعضا.
و كما نعلم تأثير التفاسير القديمة للقرآن على قواميس اللغة العربية فى شأن شرح معنى بعض الألفاظ و خلطها مع المعانى المقصودة للكلمة، فنجد فى القاموس المحيط معنى (الأمى) هو من لا يكتب أو من على خِلقَةِ الأمة لم يتعلم الكتاب، و هو باق على جبلته و كذلك معناها الغبى الجافى الجلف القليل الكلام، أى إن كلمة أمى هى صفة لمجموعة من الصفات تنم عن جهل ما أو نقص، و هى وحدها لا تفيد معنى ولا تُفَهم بذاتها و يجب تخصيصها فى شأن من الشؤون أو بفهم المراد منها من سياق الكلام.
و بالنظر فى كل الآيات التالية القليلة فى القرآن التى ذكرت فيها الكلمة أو مشتقاتها نجدها حسب السياق القرآنى لا تحمل معنى (من يجهل الكتابة) بل تحمل معنى (من لا يعلمون الكتاب و كذلك معنى من لا يتبعون كتاب)،
(1) و من لا يعلمون الكتاب وهم من اليهود و النصارى الجهلة بكتبهم حسب وصف الله لهم (أميون) فى سورة البقرة آية (78)،
(2) أما من لا يتبعون كتاب فقد سماهم الله فى أربع آيات (الأميين) حسب تسمية اليهود - كما يقال - لكل من لم يتبع كتبهم، و المقصود بهم على الأرجح قبيلة قريش و ما حولها من القبائل العربية من نسل إسماعيل الذين لم يتبعوا اليهودية أو النصرانية.
و إن كان الله قد وصَفَ محمد بالرسول النبى الأمى فذلك لأنه من أمة الأميين الذين لا يتبعون كتاب و بُعث فيهم.

و فيما يلى سرد لكل الآيات التى ذكر فيها لفظ (أمى) بكل أشكاله و التى تؤيد رؤيتنا لمعنى هذه الكلمة و التى بالتالى تدحض زعم من قال أن محمد  كان لا يكتب و لا يقرءا من كِتابة

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78)} البقرة
فى السياق هنا يصف الله بعض اليهود و النصارى الذين يطنون أنهم على دراية بكتبهم بصفة الأمية إلا أنهم فى الحقيقة يجهلونها.

{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)} آل عمران
و السياق هنا يدل أن المقصود بأهل الكتاب، هم اليهود و النصارى و المقصود بالأميين، هم من ظل على ملة آبائهم وأجدادهم - ملة إبراهيم- (قريش و ما حولاها من العرب)

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} آل عمران
و الخبر هنا عن بعض أهل الكتاب من اليهود الذين يستحلون أموال العرب الذين على غير دينهم (الأميين)

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} الأعراف
يخاطب الله اليهود و النصارى الذين آمنوا بمحمد النبى الرسول المبعوث من أمة الأميين كما جاء بكتبهم، ثم يعرض رسوله المبعوث من أمة الأميين إلى الناس أجمعين ليتبعوه.

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)} الجمعة
يؤكد الله أن محمد النبى الرسول بُعث من أمة الأميين الضالين، ليهديهم.

هل بعد تدبر الآيات السابقة التى تشمل كل ما ذكر عن الأميين فى القرآن، هل مازال السؤال عن هل كان النبى لا يكتب و لا قراء من كتابة ما ذال قائماً؟

بحث مكمل
حتى نتدبر الآيات التالية و نتفهم الرؤية السابقة يجب أولا أن نفهم معانى الكلمات التالية:

قرأ يقرأ قراءة: و معناها ترديد لفظ بفهم أو بدون فهم من أى مصدر مكتوب أو محفوظ بالصدر جهرا أو سرا.

تلى يتلو تلاوة: و معناها ترديد لفظ من نص ألهى حصرا فقط سواء (1) قولا (2) أو وحيا (3) أو إتباعا.
و يكون التفرقة بين حالات الترديد من السياق القرآنى كما نرى فى الأمثلة التالية من سورة البقرة:
(1){ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}129
(2){تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}252
(3){الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}121

خط يخط فهو خطاط: و معناها كتابة بالقلم أو خلافه

و بالتالى القدرة على القراءة (بمعنى القراءة من نص مكتوب) ليست شرطا للقدرة على التلاوة و عليه أن نفى تلاوة كتاب معين (التوراة و الإنجيل) لا ينفى بالضرورة القدرة على القراءة من نص مكتوب، و كذلك نفى خط كتاب معين (التوراة و الإنجيل) لا ينفى بالضرورة القدرة على الخط و الكتابة
الآيات التالية من سورة العنكبوت التى يستعين بها السابقين و من يتبعونهم من الناقلين بلا عقل، لتأكيد ما زعموا من أن محمد النبى الرسول الأمى كان لا يكتب و لا يقرءا من كِتابة، فبالتدبر العقلى، تكون تلك الآيات على عكس ما زعموا سندنا فى نفى ما ذهبوا إليه.

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ (49)} العنكبوت

فنحن نرى أنه من تلك الآية تتجلى للعاقلين حكمة الله و علمه المحكم بتهيئة محمد  و تأهيله لحمل الرسالة، بأن أبعده و نزهه قبل نزول الرسالة من ممارسة تلاوة أو خط كتب السابقين من توراة و أنجيل ليحبط ما للمبطلين من حجج، يدّعون بها على محمد  بتأليف و كتابة القرآن { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)}.

و المبطلون نوعان
النوع الأول: هم من عاصروا محمدا النبى الرسول سواء من جحدوه أو من أمنوا به، فيذكرهم الله و يحاجهم بما يعلمونه علم اليقين - لأنهم عاصروه - و لا يستطيعون إنكار علمهم ، بأن ما كان محمدا النبى الرسول  من قرًاء أو كتًاب التوراة أو الإنجيل لأن تاريخه بينهم يشهد على ذلك ولا يستطيعون الشهادة بغيره، فلا حجة لديهم عليه أو ارتياب فيه، سواء من مَن جحدوه ليبطلهم أو من مَن أمنوا به ليثبتهم.
النوع الثانى: هم من لم يعاصروا محمدا النبى الرسول  من بعد موته وحتى زمننا هذا، وهؤلاء لن تنفع معهم الحجة الواهية المأخوذة عن من سبقوهم و التابعون لهم، يرددونها حتى يومنا هذا - حجة عدم معرفة محمد النبى الرسول  بالخط والكتابة لينفوا عنه تهمة تأليف القرآن- حيث أن تلك الحجة مردود عليها، فلن يوقف محمدا النبى الرسول  عن التأليف عدم قدرته على التلاوة و الخط و الكتابة، لأن العرب - وهو منهم- كانوا مشهورين بتأليف الشعر و بالحفظ و بالقراءة من الصدور و كان غالبيتهم لا يخط و يكتب و لا يقرءا من كِتابة، و هؤلاء المبطلون لهم مدخل آخر يكون مرتكزا و مدعوما بحجة عقلية حسبنا أن يفهموها و هى حجة إحكام النص القرآنى و عدم مخالفته للعقل، وهذا له بحث مستقل ليس هنا موضعه لنحتج به سواء على من أمنوا به لنثبتهم أو من جحدوه لنبطلهم.

هذا قولنا و فهمنا فى زماننا و مكاننا و حسب علمنا و يجب أن يأتى من بعدنا من يفعل مثلنا.
والله أعلم
مصطفى فهمى

المراجع:
(1) العقل للفهم. (2) القرآن بفهمه بالعقل. (3) القاموس المحيط لمعرفة لسان العرب

اجمالي القراءات 70469