رحلة تلاتين يوم

محمد حسين في الثلاثاء 18 نوفمبر 2008

كل مجتمع يصنع ما به من افراد ، ويصنع ما يستحقه من اخلاق ومجرمين.

******

كنت فى زيارة ما سيدى القارئ الى بقعة من بقاع ارض الله ، ولك منى وصفا لتلك الزيارة الممتعة التى قمت بها. قد اكون مقصرا جدا جدا جدا فى وصف تلك البقعة –او بمعنى اصح سمات من يقطنون تلك البقعة- الا انى سأحاول جاهدا ان استذكر تلك الايام الجميلة التى خرجت منها بقولون عصبى يجعل حياتى ربيعا وزهورا كلما تذكرت تلك الزيارة الرائعة.

فى هذا المنزل يا عزيزى القارئ تستطيع ان تجوب الشوارع طولها و&Uacg;عرضها دون اى اعتراض من أحد ، حتى ولو كنت بذلك تختلط بالمحيط لتكون جزءا من الفوضى التى تحيط بكل مكان تدخله او كل مكان تسير فيه نهارا او عسسا. غير ان هناك شرط واحد يجب ان تحمله لديك وتتقيد به حتى تستطيع المرور دون مشكلة ما ، وهو ان تكون ذكرا.
أما اذا كنت غير ذلك ، اى انثى مثلا لا قدر الله ، فعليك احدى الخيارات الثلاثة التالية:
- اما ان تقبل بالنقاب ملبسا فتحيط نفسك به فتغدو ذهابا وإيابا ولا يعلم المحيطون من القابع خلف هذا النقاب وتمر فى غالب الامر سالما بلا اية عوائق.
- او ان تلبس الاسدال وفيه مخاطرة ليست بالكبيرة ستواجهها فى صورة معاكسات طفيفة من ذوى مرض السعار الشديد.
- او ان تتحجب (اى تلبس الحجاب) فتعظم المخاطرة لأن معالمك ظاهرة وبالتالى هى مؤذية للنفس فى تلك البقعة من بقاع الارض وبالتالى مهيجة للاعصاب فلابد لك من كوكتيل معاكسات يتسم بالوقاحة فى معظم الاحيان –حتى لو كنت تسير مع احد من ذويك ، وفى غالب الاحيان سيتم الظن بأنه شريكك فى فحشاء ما لمجرد السير معه فى الشارع- ولا يسلم الامر من اقتراب شديد من بعضهم فلمسة هنا او (تفعيصة) هناك.

اما يا عزيزى القارئ ان كنت فجا –ولا اريد تذكيرك اننا نتحدث فى حالة عدم كونك ذكرا لا قدر الله- وكنت من هؤلاء الندرة الشديدة التى لا ترى الا كل فترة ممن يطلقون شعرهم ويطلق عليهم هناك (السافرات) ، ففى غالب الامر ستكون كاللحمة المشوية ذات الطعم والرائحة النفاذة ، والتى تم طهيها بايدى اكثر الطهات خبرة ومزاجا ثم تم القائها بين كلاب مسعورة لم تأكل منذ ما يقرب من عشرات السنين. ويا حبذا لو جيبة قصيرة او بلوزة نص كم ، يبقى نهار اللى خلفوك اسود من قرن الخروب.

ودعنى احدثك عن شئ صحى ومفيد وهو النوم يا سيدى القارئ الكريم ، عليك بتمرين نفسك ان تنام بين الساعة السادسة صباحا والثانية عشرة ظهرا (واعلم ان هذا ضد ما ينصح به الاطباء فى العالم اجمع ، اذ انهم يحبذون الليل نوما فيه) ولكن صدقنى ، قد تفاجأ انك تحتاج للعكس هناك فى تلك البقعة وستندم ان لم تفعل ما اقوله لك وذلك لسبب هام ، عدد الزوايا التى تسكن جنبات الشارع الواحد ، والتى تحتل الادوار الارضية من بعض العمارات (وأكرر فى الشارع الواحد) يحمل كل منها على الاقل مكبرين للصوت ينطلق من معظمها اصوات غثة مقبرة للأذن ، تجعل من نومك فى الشارع بين المارة والعربات فى ساعة الذروة قمة الهدوء مقارنة بالنوم بين تلك المقارع –آسف اقصد مكبرات الصوت- والتى يطلق على مواعيد قرعها قاطنوا تلك البقعة آذان ، وتحديدا آذان الفجر. أما اذا كنت ممن ابتلاهم الله بأى مرض يحتاج للهدوء والنوم فى الليل فلك منى نصيحة اسديها ان تقضى اجازتك فى اعالى الماتشو بيتشو الساحرة او اى بقعة اخرى غير تلك موضوع الحديث.
****************
تنتشر فى متاجر ومحلات تلك البقعة ظاهرة مثيرة ، وتلك الظاهرة لا تتصل بما يبتاع من تلك المحلات ، وانما فى تليفزيوناتها ، وهى ان معظمهم يشتركون فى قناة ما فريدة من نوعها ، تتلو آيات ليلا نهار من آيات الذكر الحكيم ، ان كنت اصما تستطيع القراءة ، فاصحاب تلك القناة فى غالب الامر تفضلوا مشكورين بوضع الايات التى تتم قرائتها على شاشة تلك القناة. واكاد اجزم ان كان بها مساحة للإعلانات لكسبت مكاسب رهيبة لان مشاهديها|سامعيها يفوقون فى عددهم نظرائهم ممن يشاهدون الناشيونال جيوكرافيك تشانيل.
وتحمل تلك المتاجر لافتات عليها اسماء كنت اسمع بها فى افلام بلانا الله بها فى سبعينات القرن البائد ، على سبيل المثال لا الحصر فيلم كفيلم رابعة هيلوكوبتر –سورى اقصد رابعة العدوية- ان كنت تذكرها سيدى القارئ ، تلك الافلام على ما اتذكر كانت تتحدث عن بعضهم ممن كانوا يعيشون فى بقعة اخرى من بقاع الارض ، يسمى عصرهم عصر البعثة وما قبلها. على هذا المنوال من الاسماء سوف تجد هذا يسمى متجره فجر الاسلام ، وهذا اخر يسميه هدى الاسلام ، وهذا غيره يسميه صاحبه النور والتوحيد ، وضحى الاسلام. بل وهناك احدهم وقد سمى متجره (محل الاكسسوارات الاسلامية) واعتقد انه يأتى ببضاعته من قبيلة قريش ، حيث يشاع انه بعد المؤالفة التى من عليهم الله بها تستطيع ان تستورد من هناك هواتف واكسسوارات وملابس داخلية دون ان تغور عليك القبائل المترامية على جانبى الصحراء.
************
القانون فى تلك البقعة سيدى القارئ تم وضعه ليعمل عكس ماهو معروف لدى سائر البقاع فى الارض. فهناك يوضع القانون –وخصوصا قانون المرور- كى لا يعمل به لا سائق مركبة ولا سائر على قدميه ، الا القليل. وإشارات المرور نفسها غير موجودة بالمرة فى مدن شتى من مدن تلك البقعة. والامر يتعاظم فى مدن يسير فيها اختراع جهنمى يسمى (التوك توك) وفى بعض المدن يسمى (الدودو) ، فهذا الاختراع يكاد يمشى على حوائط المبانى ، بل والادهى من ذلك انه يكاد يخيل للمرء انه يظهر كعفاريت الف ليلة وليلة بصورة مفاجئة وكأن الارض "انشقت وطلعته". ولا ابالغ اذا قلت ان لسائر المركبات جيوبا كالتى نحملها نحن فى سراويلنا وبنطالنا يخرج منها هذا الاختراع المذهل الصغير ، فلا عائق يعوقه ولا اشارة توقفه (ان وجدت) ولا حتى نمرة يحملها تستطيع التعرف عليه بها. ببساطة يمكن ان يتم سرقتك ، اختطافك ، اغتصابك (ان كنت غير ذكر) ولن يعلم احدهم ايا منهم قد امتطيت –اقصد اخذت او ركبت- ولا يستطيعون اليه لا دليلا ولا سبيلا.
ويبدو والله تعالى اعلى واعلم ان صناع القانون فى تلك البقعة اما انهم تغاضوا عنه فى قانون المركبات او انهم اعتبروه كائنات لم يتم التعرف عليها بعد ، رغم ان الناس اخضعوه وسخروه لهم اداة رزق ووسيلة مواصلات ، الا انهم عجزوا عن تعريفه بأنه مركبة من ضمن المركبات او أنه مكنة حلاقة.
**********
حالة من حالات الفوضى الاخلاقية والاجتماعية تسكن تلك البقعة ، عبث ، تضارب فى المفاهيم والقيم ، وكأن كل سنة تمر على تلك البقعة يتم سحبها بقدرة خارقة الا ما قبل التاريخ. هوس دينى غير معروف الافاق يحث الناس على ان يتخفوا خلف انقبة ويقبعون فى زوايا وبيوت عبادة ، ولا يحثهم على نظافة قطعة صغيرة فى الارض. لا يوجد مساحة متر فى متر نظيفة او ليس بها نفاية ما.
لا نظام فى طابور ايا كان ، وكأن الناس مربوطون مختلطون ملتصقون "بشدة" ان كانوا فى احتياج الى شئ يطلب منهم ان يقفوا فى طابور. حتى ان كنت من تعساء الحظ الذين يحملون فيزا واردت ان تسحب نقودا من اية ماكينة بنكية ، فلا تعجب ان وجدت احدهم يلتصق بظهرك ، بل بعضهم على جانبيك واقفون يشاهدون ، بل اكاد اجزم انه من الممكن ان تجد احدهم يجلس على لوحة المفاتيح المحركة لبيانات الكارت.
قطار يأتى فى بعض الاحيان بعد موعده بساعتين واكثر ، وان كان نشيطا قائده مصاب بداء احترام الوقت سيأتى ساعة متأخرا. وان جاء يبطئ فى طريقه لبعض الاشغال التى بدأوها منذ تولى مولانا الحكم –لا اعلم بالتحديد منذ متى- فعليك ان تقوم من مكانك بضع ساعات قبل الوصول الى الهدف ، حتى ولو كان بينك وبين الهدف بمقاييس العصر الحديث ساعة ، فإنك ستصل عزيزى بعد خمس ساعات (اقعد بقى حلها براحتك لو عندك وقت).

الشئ الوحيد الذى يحترم وقته فى تلك البقعة هو ذلك الصوت الفذ الذى ينطلق من مكبرات الصوت خمس مرات يوميا ، ليأتى اليه القاصى والدانى ، فيدخلون بضع من الوقت ، ويخرجون ينتشرون فى الارض فسادا وانحلالا.
*********
اقل ما يقال من وصف غير دقيق انه وضع شائب مضبب يصعب على الباحثين والدارسين فهمه وادراكه ، ويصعب عليهم ايضا الى اى نقطة ذاهبة تلك البقعة.  يخيل للناظر أنه نزل فى منزل به معالم القرن الواحد والعشرين من إعلانات وتكنولوجيا مستخدمة كالمحمول والعربة والكمبيوتر ، لكن الشخوص التى تستخدمها منهم ما يتصل بملامحه وملبسه الى القرن الصفرى ، ومنهم ما يتصل بعقله وأفكاره وطريقة الحديث الى قرن ما غير معلوم عنه الا انه يقبع بين القرون السابقة للقرن للصفرى.
الكل فى تلك البقعة يعتقد انهم خالدون فى جنة الخالق ، رغم كل ما يحدث من ....
لكن هذا امر شرحه يطول ، وانا استسمحك سيدى القارئ الكريم فى ان اقف عند هذا الحد ، فقد حان وقت دواء القولون والضغط ، والذى وصفه لى الاطباء منذ عدة ايام ، تحديدا منذ ان عدت من تلك البقعة التى انعم الله على ان اكون من اولادها وفى نفس الوقت من زائريها....

ولى لقاء بك قريب لا يعلمه الا المولى عز وجل.



اجمالي القراءات 8735