الإنسان والقرآن والبيان- تكملة للتساؤلات رقم - 17

فوزى فراج في الخميس 17 يناير 2008

كنت اوشك ان اضع هذا المقال كحلقة جديدة فى سلسلة التساؤلات, غير ان الموضوع كان متصلا اتصالا مباشرا بموضوع التساؤلات الأخير, ولم يكن من الممكن ان اضعه كتعليق على التعليقات هناك لمحدودية المساحة المسموح بها فى خانة التعليقات, فأثرت ان اكتبه فى صورة مقال وإن كان بطبيعته تكملة للتساؤلات السابقة فى الحلقة رقم 17.

كانت الحلقة عن الآيه رقم 72 من سورة الأحزاب (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحِْملنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" ) ورغم ان التساؤل كان مركزا على ذلك الإنسان الذى حمل الأمانه, ولم يكن مركزا على الأمانة الذى حملها فى حد ذاتها, فقد تشعبت المناقشة والتعليقات الى محاولة تفسير المعنى او المقصود بكلمة (الأمانه) والمقصود بكلمة ( حملها), والمقصود بكلمة (عرضنا) وكذلك المقصود بكلمة ( أبين). وكما ذكرت فى تعليقى الأخير انه ربما كان من إعجاز القرآن ان تلك الكلمات التى اشرت اليها والتى نستعملها فى محادثاتنا اليوميه دون ان يثير ذلك اى نوع من الخلط او سوء الفهم او التساؤل عن ما تعنيه هذه الكلمة او تلك, إلا انها فى القرآن لم تكن كذلك بل اثارت العديد من المناقشة والإختلاف فى موضعها ومفهومها.

ولقد اثمرت المناقشة عن اراء كثيرة من الأخوة اختلفت بعضها عن البعض, وقد أثار انتباهى بصفة خاصة ما قيل عن بطل الحكاية ( الأنسان) وعن ان الله سبحانه وتعالى كرمه بأن قال للملائكة اسجدوا له, وبالطبع من البديهى ان ذلك السجود فى حد ذاته لم يكن صورة من صور العباده كما امرنا الله ان نسجد له سبحانه وتعالى كطقس من طقوس العباده, ولكنه كان نوعا من التكريم او الإحترام لذلك المخلوق الجديد, وربما كان نوعا من الإحترام والتكريم(( للعمل نفسه)) الذى قام به الله عز وجل وليس للمخلوق فى حد ذاته, ومع فارق التشبيه مثلا عندما نرى ابداعا من مبدع ,رساما كان او موسيقيا او شاعرا ...الخ, فنحن نعجب بالعمل ونصفق له وننحنى له, غير ان ذلك الإعجاب والإحترام والتصفيق ليس لذلك العمل فى حد ذ اته بقدر ما هو للمبدع الذى ابدعه.

غير اننى تساءلت وما اكثر تساؤلاتى, لقد خلق الله الكون بأكمله, مما نراه ومما لا نراه , ومما نعرفه ومما لا نعرفه ولن نعرفه, غير انه لم يأتى ذكر فى كتابه الحكيم انه بعد ان خلق السموات او بعد ان خلق النجوم او الملائكة او الجان او اى شيئ من مخلوقاته التى ملأت الكون, ان أمر بعضا منها ان تسجد لأى مما خلقة, وليس لدينا سوى مثال واحد وهو الإنسان. فهل الأنسان اكثر قيمة فى خلقه او أعلا من اى من مخلوقاته الأخرى؟

من المنطقى او من المنطق الدنيوى البشرى المحدود او المعروف لنا ان تكون الإجابه بنعم, وإلا لماذا لم يخبرنا الله بذلك, لم يعطينا مثلا عن خلق اخر سجدت له الملائكه, او سجدت له بعضا من مخلوقاته الأخرى, وهذا بالطبع فى حدود المعلومات المتاحه لنا والذى سمح الله جل جلاله بأن نعرفها وأن نلم بها. لابد ان يكون للإنسان قيمة ومعنى خاصا كى يضعه الله الخالق فى هذا المستوى. ومن ادرى وأعلم بمخلوق خير من خالقه .

وكما اخبرنا سبحانه وتعالى فى كتابه المبين عن امره للملائكه بالسجود لآدم أى للإنسان, فقد اخبرنا سبحانه وتعالى عن ذلك الإنسان الذى كرمه ونعمه, وقد اخبرنا عنه كثيرا, فهل اخبرنا عنه ما يفيد بأنه يستحق ذلك التكريم؟ تعالوا نفحص معا ما قاله عز وجل عن مخلوقه الذى من المفروض انه كرمه, وكيف وصفه فى كتابه الحكيم.

وخلق الانسان ضعيفا , انه ليئوس كفور , ان الانسان لظلوم كفار , خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين , وكان الانسان عجولا , واذا مسه الشر كان يؤوسا , وكان الانسان قتورا , وكان الانسان اكثر شيء جدلا , خلق الانسان من عجل ,
انه كان ظلوما جهولا , وان مسه الشر فيؤوس قنوط , واذا مسه الشر فذو دعاء عريض , ان الانسان لكفور مبين , ان الانسان خلق هلوعا , كلا ان الانسان ليطغى , ان الانسان لربه لكنود , ان الانسان لفي خسر

لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم, ثم رددناه أسفل سافلين .
خلق الإنسان علمه البيان

ان الله الخالق البارئ المصور, خلق ذلك الإنسان, وصوره بالطريقة التى اختارها سبحانه, فهل خلقة بهذه الصورة وبتلك المواصفات ام ان ذلك الإنسان إكتسب لنفسه وبنفسه تلك المواصفات, ليس من بين ما وصفه عز وجل من صفات اعلاه للإنسان سوى ربما صفتين اثنين من الصفات الإيجابيه, ( احداهما نفاها سبحانه وتعالى مباشرة بعد ان ذكرها, وهى فى احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين) اما ما بقى منها فكلها كما نراها ليست من الإيحابية فى شيئ بل هى اكثر سلبية وإن دلت على شيئ فإنما على ان ذلك الإنسان لا يستحق اى تكريم من خالقه, فكيف يستحق التكريم ان كان كفورا, وان كان ظلوما , وان كان جهولا, وان كان ضعيفا , وان كان قنوطا....الخ.

لقد علم الله الإنسان البيان كما ذكر فى سورة الرحمن , وهى ربما كانت الصفة الوحيده الإيجابية التى وصفه الله بها, فماذا تعنى تلك الصفة, وما ثقلها بالنسبة لجميع الصفات الأخرى التى لايقبل أى منا ولا يود ولا يحب ان يكون موصوفا بها من قبل انسان اخر, رغم ان الله وصفه بها دون اى استثناءات, لم يقل الله مثلا ان بعضا من الأنسان ظلوما والبعض عدولا , ولم يقل ان بعضا من الإنسان كفورا والبعض ليس كفورا بل مؤمنا....الخ.

ولذا فى مجال مناقشة الموضوع الأخير عن الإمانه وعن الإنسان الذى قبل ان يحملها لأنه جهولا ظلوما , اود ان اوسع المناقشه كى نتعرض الى ذلك الإنسان الذى يعتقد البعض ان الله أكرمه بان جعل الملائكة تسجد له, فكيف يتفق ذلك مع خلقة بتلك المواصفات التى وصفها به,والتى عندما تنطبق على انسان فلن تكون له اى فرصة فى ان يفوز برضوان الله وجنته, مجرد تساؤل.

وشكرا للجميع

اجمالي القراءات 18899