صناعة العبودية .. لماذا يحتقرنا الرئيس حسني مبارك؟

محمد عبد المجيد في الخميس 30 اغسطس 2007

أوسلو في في 30 سبتمبر 2004

قد يسعدك الحظ وتشاهد زعيما عربيا في الأيام الأولى لتوليّه السلطة, فتراه وديعا, رحيما, متسامحا ومفعما بالأمل, ومخاطبا مشاعر اليائسين, ومدغدغا أحاسيسهم, ومتوغلا في أحلامهم, ومن فرط تواضعه تحسبه خادمك الأمين والمطيع.
وقد يتعسك الحظ وترى الزعيم نفسه بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أو عقدين من الزمان, وقد انقلب إلى وحش كاسر, وتحول مخدوموه إلى خدم, ومواطنوه إلى عبيد, ورعاياه إلى أجساد مهترئة تحمل رؤوسا مستندة على أكتاف رخوة من طول المهانة والخضوع والاذلال.
عندما أفرج الرئيس حسني مبارك عن قيادات الوطن من مثقفين ومعارضين ومتمردين ومفكرين كان الرئيس الراحل أنور السادات قد ألقى بهم وراء القضبان قبل شهر واحد من سقوطه صريعا في السادس من أكتوبر عام واحد وثمانين, بدت الأمور كأن فجرا جديدا ومشرقا أنهى ظلمات الليل الطويل, وظهر الرئيس الجديد, قائد القوات الجوية سابقا, ونائب الرئيس المؤمن ينفطر رقة وعذوبة وتواضعا حتى أنه لم ينبس ببنت شفة عندما أصدر حزب التجمع الوطني الوحدوي كتابه ( لا لمبارك).
والمصريون لا يفرّقون أحيانا بين النبوة وبين الزعامة، ويملك الفرعون الجديد، كما جرت العادة منذ خمسة آلاف سنة، السماءَ والأرض وما بينهما وهو كما وصف أحد أكبر الدعاة في مصر الرئيس أنور السادات ( لا يُسأل عما يفعل!), أو كما وصف رجب البنا رئيس تحرير ( أكتوبر ) الرئيس حسني مبارك بأنه قام بما لم يقم به أحد في التاريخ كله.
وصناعة العبودية فن يجيده بمهارة الزعيم المستبد بدعم كامل وطوعي من الرعايا العبيد أنفسهم, فالاستبداد له طرفان, الطاغية بما يملك من سطوة وقوة وأجهزة أمن ومعتقلات وسجون وآلات تعذيب وأموال الدولة وسلطة مطلقة، والرعايا الذين طلب منهم عبد الرحمن الكواكبي في ( طبائع الاستبداد) أن يكونوا كالخيل, إن خُدمَت خَدمت, وإن ضُربَت شرست, وأن يكونوا كالصقور, لا تُلاعَب ولا يُستَأثر عليها بالصيد كله, لكنهم يفضلون حياة الاستكانة والمهانة، ويستعذبون الذل، ويرون في الجبن أمنا وسلاما، وفي السير بجانب الحائط استقامة لا تغضب الحاكم، ولا تُعَرّض العبد لاستدعاء لقسم الشرطة وما يستتبعه من اعادة ترويضه ليعود ذليلا خانعا وخائفا وراضيا بالقضاء والقدر الذي اختار له ولي أمره ونعمته في القصر الجمهوري بعابدين.
انتهى العُرْس المصري بعد وقت قصير، وظهرت صورة جديدة للرئيس المصري, لكنه للحق انتهج نهجا مختلفا في كثير من مشاهده عن أسلافه الذين حكموا أرض الكنانة. فالرئيس رأىَ منذ أكثر من اثنين وعشرين عاما أن قوانين الطواريء التي ترضى بها الدول المتمدنة والمتحضرة لأيام أو اسابيع قليلة خلال أزمات طاحنة أو كوارث طبيعية أو حروب أو انقلاب عسكري ينبغي أن تكون حالة دائمة وثابتة للشعب المصري, ولتضرب كل منظمات حقوق الإنسان رأسها في الحائط مئة مرة في كل يوم وليلة, فالمجتمع المدني المسالم الذي يشعر أفراده بالأمان والحرية مرفوض رفضا قاطعا، والرئيس هو الحاكم العسكري في الحرب والسلم, وقوانين الطواريء تسمح له أن يستدعي من يشاء في أي وقت بحجة تهديد أمن الدولة.
وكانت تلك أول تجربة جس نبض من الرئيس لرعاياه, وأزعم أن النتيجة التي انتهى إليها قانون تكسير العظام كانت مذهلة للرئيس نفسه, فشعبنا العظيم العريق صاحب أكثر حضارات الأرض تمدُّنا وتطورا قَبِل باستكانة عجيبة قوانين الحرب في سنوات السلم, وعلى الرغم من خروج عشرات الآلاف في مظاهرات ضد العدو الصهيوني، وحرب الخليج, واحتلال العراق، واحتلال بيروت، وضرب طرابلس الغرب، إلا أن هذا الشعب العظيم لم يخرج مرة واحدة مناهضا زعيمه، ورافضا قوانين الطواريء، ومنافحا عن كرامته، ومدافعا عن حقوقه.
منذ الساعات الأولى لتولي الرئيس حسني مبارك مقاليد الحكم تسرب إلى نفسه حلم اعداد ابنه جمال مبارك لوراثة عرش مصر وهو لم يبلغ العشرين من عمره بعد، فكان القرار الثابت والحاسم الذي لم يحد عنه الزعيم قيد شعرة، أي رفض تعيين نائب له واعداد ابنه لأكثر من عقدين من الزمان ليرث مُلك مصر وشعبها وأرضها وخيراتها، فالمصريون، كما يعتقد الرئيس، رعاع لا يحق لهم توليّ السلطة من بعده

لم يشهد عصر من العصور القديمة أو الحديثة فسادا كما حدث في عهد الرئيس حسني مبارك، وكانت كل جرائم النهب والهبر وسرقة أموال الشعب وشركات الاحتيال وتوظيف الأموال واقتراض مئات الملايين من ثروات الوطن تجري تحت سمع وبصر الحاكم العسكري للمحروسة, وفي المقابل سرت حالة من اللامبالاة والخنوع والخضوع والخوف بين أبناء شعبنا العريق في الوطن الذي تقدمت كتيبة من الأفّاقين والمنافقين والجبناء ومعدومي الضمير وفاقدي الكرامة يزيّنون للرئيس حالة البؤس في الوطن المسكين، ويلمّعون فشله، ويعرضون على الشعب بضاعة فاسدة على أنها منجزات ومكتسبات، ويساهمون في استمرار صناعة العبودية التي تمكنت, للأسف الشديد، من الوطن كله، من ثغره إلى حلايبه.
في افتتاح دورة مجلسي الشعب والشورى كاد الرئيس أن يسقط بين يدي ملك الموت، وشاهد بأم عينيه كتابا منشورا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وعرف في لحظات ما لم يتعلمه طوال عمره وهو أن أجل الله إذا جاء لا يقدم ولا يؤخر، وارتفعت أصوات الأعضاء مختلطة بأدعية من شيخ الأزهر تدعو الله أن يشفي الرئيس، وأن يهبه طول العمر، وأن يحفظه لمصر زعيما على مُلكها وشعبها وأرضها وخيراتها ليكمل مهمته التي جاء من أجلها!
كانت هناك أيضا أصوات تبلغ العلي القدير أمنياتها, وتطلق في حجب السماوات العلا أدعيتها، وتطلب من العزيز الوهاب الرحمة لشعب مصر. لكن هذه الأصوات لم تعرف طريقها إلى ماسبيرو، ولم يأخذها شيخ الأزهر في حسبانه، على الرغم من أنها الأقرب إلى ملكوت الله، والأكثر مصداقية عن أوجاع الوطن والمواطن.
كانت هناك أصوات المظلومين والمعذبين في الأرض, والذين انتهكت قوانين الطواريء حرياتهم، واغتصب ضباط شرطة أبناءهم، وعرفت أجسادهم الحرق والنفخ والتعذيب وقلع الأظافر، ودخلت في مواضع العفة منهم عصا غليظة أو أسلاك كهربائية، وصرخوا من الأوجاع والآلام التي لا يحتملها بشر فكادت السماوات السبع ومن فيهن يتفطرن من هول ما يحدث في سلخانات الشرطة برضا وسعادة السيد الرئيس حسني مبارك.
وكانت هناك أصوات لم تلتقطها الأجهزة الحديثة في ماسبيرو, ولم تصل إلى وزير الإعلام فقد كان مشغولا بشرح الحالة الصحية للرئيس الذي قاوم الإنفلونزا البسيطة بمضادات حيوية حتى يوفي بوعده، ولا يكلف أعضاء المجلسين مشقة العودة للقاهرة مرة أخرى ( وكأن السادة يزورون القاهرة في قطار الصعيد ويتعرضون للحرق والسرقة ومطاوي قرن الغزال ), وخرجت الأصوات من بين قضبان زنزانات الظلم التي يقبع خلفها ثلاثون ألف معتقل ولم تخرج في مصر كلها مظاهرة واحدة للدفاع عنهم، وأكثرهم لم تتم محاكمته أو توجيه اتهام محدد للآلاف منهم.
وكانت مصر كلها، من سكان عشش الصفيح إلى سكان المقابر بملايينهم الثلاثة، ومن الفقراء والمظلومين والمضطهدين والمهترئة كرامتهم إلى الأحرار والشرفاء الذين يعرفون كم أضر هذا الرجل بوطنهم وعشقهم وحبهم وملاذهم، لكنهم يفضلون صمت القبور عن ازعاج سكان القصر الجمهوري.

لم يتحرك جمال مبارك فهو واثق ثقة اليقين أن مشهدا واحدا من السيناريو المُعَدّ لن يتغير منه شيء, ولن تتحرك دُمية واحدة في اتجاه غير التي تم رسمه لها، وكتيبة المنافقين الوصوليين قامت بِسَنّ أقلامها استعدادا ليوم العرش الموعود، وهو سباق على جثة الوطن، وجوائزه معروفة سلفا، ولن يخرج الأمر عن دبلجة بعض المقالات، وتزييف حقائق التاريخ، وتلميع الرئيس الشاب، والادعاء بالحفاظ على المنجزات المباركية في صورة ابنه، وتزوير أوراق الأرض الطيبة ليسرقها أتباع المالك الجديد.
رئيس مجلس الشعب المخضرم والمعتق وبائع الكلام قادر على تولي أمور وشؤون عزبة الوطن لستين يوما أو أقل، ثم الدعوة لاستفتاء قبل الموعد بوقت طويل على استمرار المكتسباب في ظل قيادة شابة تحفظ لمصر استقرارها، ويخرج في الوقت عينه عشرات الالاف من المغيبين والمخدرين والبلهاء من شباب الحزب الوطني يثيرون الحماس في ربوع مصر كلها، ويوحون للصامتين أن الوطن كله في خطر ما لم يستقر الأمر على القيادة الشابة لجمال مبارك.
وفي ظل أحط لحظات العبودية والذل والمهانة والجبن نركع جميعا أمام المالك الجديد، ويستلقي الشيطان على قفاه من الضحك علينا، وتدير الملائكة ظهورها لنا، ويبصق أحرار العالم على المعلقات السبع الجديدة التي تتصدر مانشيتات الصحف المصرية الصادرة صباح اليوم المشؤوم, عندما تنتقل ملكية مصر من مبارك الأول إلى مبارك الثاني وسط حالة من الاستحمار الجماعي، والهوس الشعبي، وأباطيل صاحبة الجلالة السلطة الرابعة.
السؤال المُحَيّر والذي لا يجد تفسيرا منطقيا عند كل علماء النفس والاجتماع ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا هو: كيف أن كل مصري يعرف أن عهد الرئيس حسني مبارك هو أسوأ عهود الحكم في التاريخ المصري الحديث، وأن المشهد المصري أصبح حالة من البؤس والكمد والغم والحزن والفقر المختلط بمهرجان نهب الوطن، وتهريب خيراته، وتدمير اقتصاده، وتغيير عادات وسلوكيات أطيب شعوب الأرض لتتحول إلى فهلوة وبلطجة، ومع ذلك فإن الخنوع يسري بسرعة الصوت في كل خلايا الجسد المصري المسجى أو الخاضع أو الساجد أمام ساكن القصر الجمهوري؟
باستثناء قلة نادرة من الشجعان والفرسان والنبلاء فقد انحرفنا جميعا، تقريبا، وسلكنا مسلك الجبناء والصامتين والعبيد المستكينين أمام رجل واحد وأسرته !
كلنا نعرف أن الرئيس حسني مبارك يعلم علم اليقين أن رجاله وأكثر وزرائه هم الأشد فسادا وفشلا وطغيانا , وكلما حقق أحدهم مزيدا من الفشل حاز على ثقة الرئيس، فإذا نشرت صحف المعارضة مئات التقارير والوثائق المستندة إلى شهود وقرائن وأدلة عن فساد أحد رجاله، لم تتحرك نخوة الشهامة والنبل والاخلاص والوفاء في الرئيس من أجل شعبه ورعاياه والأمانة التي حول عنقه، إنما ازداد غيا وإثما واصرارا على الاحتفاظ باللصوص والنهّابين!
مشكلة مصر يمكن اختصارها في هذا الرجل الذي يملك قداسة الأنبياء, وسلطات الله على الأرض، وبركات القديسين، ورقاب العباد، وخيرات الوطن، وأقلام معظم كتاب وصحفيي أرض الكنانة، ويعتبر نفسه وأسرته الورثة الحقيقيين لمصر كلها من ثغرها إلى صعيدها.
سيظل الرئيس ممسكا برقاب شعبنا، ومهيمنا على أرضه، ومستوّليا على خيراته، وتاركا اللصوص يُفلسون الوطن رويدا .. رويدا مالم يتمكن المصريون في لحظات شجاعة نادرة من تغيير قناعاتهم بأنهم خدم للزعيم إلى اعتباره خادما لهم.
عندما يتمكن المصريون من انتزاع القداسة تبدأ أولى خطوات تحرير الوطن من براثن خصومه، ونحن نظن أن الرئيس حسني مبارك هو الخصم الأكبر لشعب لمصر.
يمتلك الرئيس كمية هائلة من مشاعر الاستعلاء والفوقية والاحتقار والازدراء لشعبنا وتلك تتمثل في اصراره على أن سلخانات الشرطة في طول البلاد وعرضها اللغة التي يفهمها المصريون، وأن تعيين نائب للرئيس تعني ابتعاد حلم توريث العرش لابنه الذي سيقوم بحماية تاريخ أبيه لسنوات طويلة قادمة تكون حركة التاريخ قد أسقطت من ذاكرة الشعب جرائم العهد المباركي.
يحتقر الرئيسُ الكتابةَ والصحفيين والاعلاميين والمثقفين والمدافعين عن الحقوق المشروعة والحرية والعدالة والمساواة، وفي عهده تحولت الكتابة إلى عبث، وشعبنا إلى مستكين يشاهد انحدار وانهيار وخراب الوطن وهو يبتسم ويضحك ويلقي النكات ثم ينزوي في ركن قصي خشية أن يصل صوته إلى سكان القصر، أو تسمع نحيبه وبكاءه أجهزة الأمن.
تلقيت رسالة تهنئة على البريد الالكتروني من مواطن مصري لم يفصح عن اسمه ولكن ذيل الرسالة ب ( مصري مبني للمجهول ), وقد اختصر في هذا التوقيع مأساة العهد كله، فنحن جبناء ويحسبنا الجاهل جميعا وقلوبنا شتى.
اثنان وعشرون عاما من أحلك وأظلم فترات التاريخ الحديث, ففيها تم اقصاء الشعب كله عن صناعة القرار، والتمييز بين شركاء الوطن من مسلمين وأقباط، والحاق أقصى درجات الظلم بأحبابنا وأشقائنا أقباط مصر وشركائنا في الوطن المسكين، واستصراخ لغة التطرف الديني والهوس الجنسي، وتحويل الاعلام إلى سوق لتصدير الحماقة والبلاهة والتخلف، وفتح الباب على مصراعيه أمام كل عباقرة الفهلوة والنصب والاحتيال لتفريغ المصارف والبنوك الوطنية، وتثبيت رؤوس الفساد في أهم وزارات الدولة ومؤسساتها، ورفض الادارة الحديثة فبدت مصر في الشهر العقاري ومصلحة البريد وقطارات الصعيد ومعاملات الموظفين كأنها خارجة لتوها من العصر الثالث الهجري، وغض الطرف عن سادية ضباط الشرطة مع منحهم مساحة واسعة من حرية الحط من كرامة المواطن وسلخه وتعذيبه وتلفيق التهم له واغتصاب عفته أمام أسرته والقاء كيروسين على جسده الضعيف ثم اشعال النار فيه أمام ضحكات المخبرين والمرشدين في اشارة دلالية على قيمة المصري في عهد الرئيس حسني مبارك, ورفض التقدم بأي مشروع قومي للقضاء على البطالة والفقر والمرض والأمية والبلهارسيا والكبد الوبائي وسرقة الأعضاء في مستشفيات الاستثمار الحديث، وازدراء الكفاءات الأكاديمية والعلمية الشابة وتنفيرهم جماعيا وإجبارهم على مغادرة الوطن في نزيف مستمر كاد يُفَرّغ مصر من علمائها وعبقرييها ومخلصيها وشرفائها، والتأكيد على أن السوط والعصا والسجن والتخشيبة والمحاكم الجائرة هي أدوات السيد الرئيس التي خرجت من بطن قوانين الطواريء، واحتقار منظمات الدفاع عن حقوق الانسان والمواطن بإعتبار المصريين كما يراهم الرئيس رعاع وغوغاء وعبيد لا يستحقون شرف العيش تحت قدميه الطاهرتين، واتباع أخبث السبل والوسائل في معضلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وذلك بمنح الصحافة حرية النقد والشكوى والبكاء والصراخ والعويل والتهديد في مقابل خطوط حمراء لا يقترب منها أحد وهي الذات الالهية للرئيس الزعيم، واعتباره مسؤولا عن كوارث ومصائب وتخلف وفساد ونهب حل بالوطن كجراد جائع جاء منذ أكثر من عشرين عاما ولم ولن يغادر مصر قبل أن يجعل عاليها سافلها.
لو تم جمع عشرات الالاف من التقارير والمقالات والتحقيقات والشكاوى والمظالم التي نشرتها الصحف ومحاضر الشرطة وأقلام رجال العدالة ولم يكترث لها الرئيس لبدت في النهاية اتهاما يختصر كل جرائم العصر، ويجعل الرئيس يهرب من الباب الخلفي للقصر الجمهوري كما فعل تشاوشيسكو وبول بوت وصدام حسين وغيرهم من مستبدي العصر.
لكن الذي حدث في مصر سيدخل التاريخ من أضيق أبوابه، فشعبنا صاحب الحضارات لا يزال يصفق، ويضحك، ويستمتع بمشاهدة المسلسلات، ويحمد الله على نعمة الفقر، ويدعو العزيز الجبار أن يشفي الرئيس ويمنحه سنوات أخرى طويلة من عمر مديد، ويقرأ المصريون كتابات لو سقطت على جيل لرأيته خاشعا متصدعا، وتصيبنا حالة من البلادة والبلاهة والخوف المصطنع والبحث عن أمان مع الأسرة بعيدا عن الزعيم وضابط الشرطة، واعتبار كل منا ( مصري مبني للمجهول )!
في قلبي صرخة مؤلمة وموجعة ومحزنة وقد ترددت كثيرا خشية أن يتدافع أبناء وطني في توجيه اتهام خصومة الوطن لصاحب هذه الكلمات !
لماذا التف شعبنا العظيم حول الجبن كقيمة وحيدة للنجاة بالجسد أمام جبروت الزعيم؟
لماذا نخاف من الرئيس حسني مبارك؟
هل يملك جيشا ومخابرات ومباحث أمن الدولة ؟
هذا عبث وهراء وأكاذيب روجها النظام وصدقها الساذجون، فالجيش الوطني الرائع وأجهزة المخابرات الشريفة ورجال مباحث أمن الدولة الذين يتحملون ظلم النظام والزعيم وابنه وأسرته ورجاله وزبانيته وأمريكانه هم رجالنا وليسوا رجال الرئيس.
وعندما ينتفض الشعب مرة واحدة دفاعا عن كرامته سيجد كل رجال أمن الدولة خلفه، ولن يملك الرئيس آئنذ إلا أن يركع لشعبه، ويطلب المغفرة، ويعتذر عما بدر منه، ويقف القضاء الشامخ في مشهد وطني بديع يحاكم الرئيس حسني مبارك وأسرته وكل رجاله من رؤوس الفساد.
ولكن المشهد الحلم يتحول إلى كابوس فور لجوء المواطن إلى غرفته وصمته وجبنه واعتباره ليس معنيا بتغيير الوطن، وأنه إذا قرأ هذه الكلمات فليلزم بيته، ويلوذ بصمت القبور، ويحتكم إلى غريزة الفأر في صدره.
المعركة سنخسرها جميعا، ولثلاثين عاما قادمة سيعيد الرئيس جمال مبارك صناعة العبودية، وسنتحول جميعا إلى لاطمي خدود في غرف مظلمة بعيدا .. بعيدا عن ساكن القصر، ولكن أيضا قريبا من ضحكات الشياطين التي ستضربنا على أقفيتنا .
الكتابة مناهضة، وفعل تحريضي، واستخراج مكنونات النفس، ومحاولات للتمرد، وصفعات على وجوه الجبناء، وشهادات تقدير للفرسان، وتقديم الحياة بديلا عن الموت، لكن لأول مرة في التاريخ الحديث تفقد الكتابة معناها، ويظن القاريء الكريم أنها مزاح في غرزة لمتعاطيي المخدرات، أو عبث في الوقت الضائع، أو كراهية قلم عبد لأسياده، لكنها إذا تحولت إلى فعل فإن الطريق لتحرير الوطن يصبح أقصر من المسافة بين عاشقين.
أكتب في هذا الموضوع بالذات منذ عشرين عاما دون ملل أو كلل أو تعب أو ارهاق، والنتيجة في محصلة مأساوية كانت ولاتزال ترواح مكانها عند نقطة الصفر، ويقرأني الكثيرون، ويشد بعضهم على يدي طالبا مني أن أتركه في سلام وأمان مادام يجد خبز يومه وقوت أبنائه، أما الآخرون وهم الأكثرية فيديرون ظهورهم، ويؤكدون أن حماية الوطن مهمة يضطلع بها الله الواحد القهار!
قد يجد القاريء والمهموم بمصر في كلماتي بعض ما يعتمل في نفسه، وربما يطلب من صديق قراءة المقال، أو يتجرأ وينسخه ويقوم بتوزيعه، لكن فعل التحريض والتمرد واستنشاق رائحة الحرية لن يكتمل إلا عندما يكتشف المصريون أنهم يعيدون صباح كل يوم تمثيل أسخف مشهد في سقوط وطن بين أيدي جلاديه.
نعم نحن مجرمون وجبناء وبلهاء مادمنا لم نتعلم بعد أن الحاكم خادم لنا، يحصل على أجره مقابل عمل يؤديه، وإدارة ينظمها، ونمنحه نحن السلطة والقصر والسطوة والقداسة شريطة أن يعدل ويساوي بيننا ويصلح ويطور ويحافظ على أموالنا وخيراتنا وأولادنا وكرامتنا.
وفي اللحظة الجحيمية التي يظن كل منا أنه أقل من ساكن القصر، وأنه عبد مستكين ذليل وجبان، وأن خادمنا أفضل منا، وأنه يحي ويميت ولا يُسئل عما يفعل، وأننا نسجد له بدلا من أن يركع لنا ويشكرنا على منحه كل هذه الامتيازات في مقابل إدارة شؤون الدولة، فقُل على الوطن السلام.
وعندما يقرأ كلماتي مصريون، ويبتسمون، ويتغامزون، ويعتبرون الدخول إلى المنطقة المحرمة محظورا عليهم، ومباحا للمجانين فقط من عشاق الوطن السجن فقد أحكمنا على رقابنا العقدة التي لا حل لها.
أيها المصريون يا أبناء وطني وحبي وعشقي ماذا حدث لكم؟
محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو   النرويج

اجمالي القراءات 9361