أرشيف برؤية حديثة
البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين!

محمد عبد المجيد في السبت 27 يناير 2018


من أرشيفي في 04.03.2007

 

هل قُدّر لك أن تقع في حب مصرَ سواء كنت مواطناً مصرياً أو زائرا سنويا أو مقيما فوق أرضها الطاهرة وبين شعبها الطيب؟

 

إن كان جوابك بنعم فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها، فإذا كنت مصريا فسيطاردك حبك إياها ويستجديك أن تنقذها، أو تحاول تخليصها وهي فريسة تتلوى في مشهد مؤثر وحزين استغرق أكثر من عقدين من الزمان بين ناهب وسارق ومفترس وسادي وقاسٍ وغليظ وقد أجمعوا أمرَهم على اغتيالها، ولو أطــّـلعت على قلوبهم لوليّت منهم فرارا و.. لملئت منهم رعبا.

 

سترى في المشهد الحزين القاتم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، لكنك لن تستطيع أن تخفي دهشتك عندما تقع عيناك على زاوية صغيرة في مكان قصيّ يتقوقع فيها المثقفون والاعلاميون وضمير الأمة وصحوتها ويقظة الوعي فيها، وهم يرتعشون خوفا وفزعا خشية أن تمتد يدُ القصر الجمهوري بعابدين وتقصف القلم والعمر وأكل العيش.

فيكتبون، وينشرون، ويحللون انتقادا، ويرفضون، ويقدّمون احتجاجاتٍ,،ويرسمون فلاح كفر الهنادوة، ويسخرون من رئيس الوزراء، ويطالبون بمحاكمة الفساد والمفسدين، وبامكانهم الاعتراض على قانون الطاوريء.

في المقابل هناك منطقة محظور الدخول إليها، ومحرّمة الكتابةُ عنها، وممنوعة أحاديث الخوض في مسؤولياتها، وفيها يجلس السيد الرئيس منذ اثنين وعشرين عاما يحميه قانون طواريء، في الحرب وفي السلم، ويسمح له إنْ أراد أن يأمر بالقاء نصف أفراد الشعب وراء جدران معتقلات وادي النطرون والوادي الجديد وطره وأبو زعبل والقلعة وغيرها في طول وعرض وادي النيل الخالد.

 

لك مطلق الحرية أن تصيح، وترغي، وتزبد، وتبكي دموعا أو دماء، وتشج رأسك في الحائط أو تلقي بنفسك وأسرتك من أحد الجسور أو من فوق برج الجزيرة احتجاجا وغضبا ورفضا، لكن لن يصل صوتك وأصوات سبعين مليونا من المصريين إلى سور حديقة القصر الجمهوري ولو كان يحمل كل آهات وأوجاع وعذابات وأشجان وهموم المصريين كلهم من الاسكندرية إلى حلايب.

لعلك تعثر على مصباح قديم متهالك فتفركه بإبهامك ليخرج منه مارد من الجن يسألك: شبيك لبيك .. عبدك بين ايديك! فتأتيك فكرة طلب يخر له المارد مغشيا عليه لأنه مستحيل أو معجز في عالمي الانس والجن.

ستقول له: دعني أعثر أو يعثر واحد من السبعين مليونا من شعب مصر الطيب على السيد الرئيس حسني مبارك في مكان يحتاج إليه المصريون أكثر من أي موقع آخر.

وتبدأ رحلة شاقة ومثقلة بآلام تنوء عن حملها جبال، وتقلب في ذهنك كل الاحتمالات الواردة التي تجعلك ترى أو تشم ولو رائحة الرئيس أو بصماته أو آثار قدميه بعد زيارة خاطفة لموقع أو حالة أو مكان أو تجمع يتوق أهله لاهتمام السيد الرئيس.

 

وتبدأ بزيارة مقابر يشارك فيها مليونان أو ثلاثة من الأحياء أمواتهم الطعام والشراب والنوم، فلا تعثر على زيارة أو اهتمام أو اكتراث الرئيس لرعاياه، وفي المقابل يربح ثاني اثنين من أثرياء مصر الجدد في عمليتين منفصلتين من تجارة الفهلوة والاحتكار أربعة مليارات من الجنيهات تكفي لبناء مساكن لرعايا الرئيس من ساكني المقابر في بلد تمتد مساحته فوق مليون كيلومتر مربع.

سكان المقابر ليسوا للأسف الشديد على قائمة اهتمامات فخامته، فهؤلاء لهم رب يحميهم، أما الأثرياء والمليارديرات فتظللهم حماية القصر والأمن والخدم والحشم ويخرج أي منهم من مطار القاهرة الدولي مرفوع الرأس ولو سرق ونهب واختلس وهبر البنك الوطني كله.

 

وبعد أن تستمع لحكايات ثلاثة ملايين مواطن يقول رؤساء تحرير الصحف القومية أنهم ينعمون في عهد الرئيس مبارك بالحرية والديمقراطية والانجازات العملاقة، يصيبك هبوط حاد فتخرج من المقابر على عجل وتتجه إلى أقسام الشرطة في طول أم الدنيا وعرضها لتكتشف عالما من الجحيم الأرضي مختوم بخاتم رئاسة الدولة وموافقة تامة ورضاء مبهج من الزعيم.

سلطة أمنية سادية تستمد قوتها وسطوتها من موافقة ضمنية أو صريحة من الرئيس لأكثر من عقدين من الزمان، وتؤمن بأن كرامة المواطن المصري ينبغي أن تتساوى مع الجرذان والحشرات وغيرها؛ فيمكن لمأمور قسم الشرطة أن يعلقك في سقف مكتبه، وأن يسلط عليك كلابا من المخبرين تجعلك تلعن يوم مولدك وتتعجل عرس موتك وتفكر مليا فيما ستقوله لرب العزة يوم الحشر، وتصرخ من سوط لاذع فوق ظهرك، وتبكي مع كل كفٍّ غليظ يقع فوق قفاك، ويهددك ضابط الشرطة بالاغتصاب أو الحرق أو بأنه سيضع العصا في فتحة شرجك ويجعلك تنسى اسم أبيك وأمك.

 

آلاف وآلاف من الحكايات الموثقة بدموع المواطنين وأوراق وملفات كل منظمات حقوق الانسان المصرية والعربية والدولية والتي تصب كلها على مكتب السيد الرئيس، فيزيحها جانبا، وربما يبتسم، ثم يجيء من يهمس في أذنه الكريمة بأن المصريين تعلــّــموا الدرسَ جيدا، وأن الكــُـتّاب والمثقفين والمحامين والاعلاميين والأكاديميين ورجال الدين والدنيا الآن يعرفون أن السلطة لا تمزح، وأن الخوف هو الطريق الآمن للسلامة، وأن الحديث عن مسؤولية السيد الرئيس عن أي خطأ أو فساد أو جريمة أو انتهاكات أو تزييف في الانتخابات من المحرمات المطلقة.

قد تأتيك توجيهات من قسم الشرطة بضرورة الحضور لتسلم جثة أخيك أو والدك أو أحد أعمامك لأن الله توفاه بعد هبوط حاد في قسم الشرطة الذي عامله معاملة كريمة ومهذبة وهو يجلس على مقعد وثير في مكتب سيادة المأمور وأمامه فنجان من القهوة.

 

تخرج مهرولا من كل أقسام الشرطة ولديك بصيص من أمل أن تجد آثار عدل الرئيس ورحمته في معتقلات الوطن السجن، فيصدمك هذا الكم الهائل من المتهمين والمعتقلين والمسجونين على ذمة تحقيق لم ولن يتم إجراؤه مادام سيادته في سدة الحكم.

ستة عشر ألف سجين رأي وفقا لاحصائيات منظمات حقوق الانسان، وضِعْفهم كما يدّعي خصوم النظام، وهؤلاء يعيشون أمواتا في عالم النسيان، ويحلمون بيوم لا يستطيع قلم أن يصفه لأن هذا يعتبر في عُرف النظام محاولة للاستيلاء على السلطة أو تحريض ضد أمن الدولة أو ..  تعاون مع الأعداء.

 

ويستمر المثقفون المصريون وضمير الأمة في الابتسام، ويضحكون من الأعماق، ويكتبون عن كل شيء خارج المنطقة المحرمة، ويحصلون على جوائز الابداع، وينتظرون يوم زيارة الرئيس لمعرض الكتاب الدولي عسى أن تدرك أحدَهم بركاتٌ من السماء أو من الأرض تجعله في الصفوف الأولى التي ترضى عنها السلطة، وربما تتفتح أبواب الخير وجنات صاحبة الجلالة السلطة الرابعة فيستقل مع الرئيس طائرة متجهة لزيارة رسمية.

تقفز إلى ذهنك فكرة زيارة خاطفة لبنوك ومصارف أرض الكنانة لعلك تجد فيها مئات المليارات من الأموال التي تأتي لخزانة الدولة من قناة السويس والبترول والسياحة وتحويلات المصريين والمعونات العربية الخليجية والدعم الأمريكي والمساهمات الأوروبية والضرائب، فيصيبك دوار كأنك في مركب يدور في مثلث برمودا، أو أنك في قصر أحد الأثرياء عقب زيارة قام بها آلاف المشرَدين والجوعى والصعاليك وقد جعلوا عاليه سافله.

 

صف طويل بطول اثنين وعشرين عاما من النهــّـابين والنصابين والمحتالين وأباطرة الكيف والمخدرات وعباقرة الهبـْـر والسرقة ومحترفي الاجرام المالي والمصرفي ينتظر كل منهم دوره ليستولي على أموال الشعب في صورة مشروع استثماري أو قرض لتعمير أرض أو بناء قرية سياحية أو الحصول على توكيل سيارات أو هاتف محمول.

أما الضمانات فهي لا تخرج عن مثلث كلمة الشرف وأوراق مزيفة وأصول مشروع وهمي مع تحبيشة من ديكور ما قبل النهب مثل اتصال هاتفي من مسؤول كبير، أو سيارة مرسيدس في الانتظار خارج المصرف أو دعوة لسهرة حمراء تكمل برستيج خبطة العمر، وبعد ذلك ينفتح باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي، ويخرج السيد اللص مصحوبا بدعوات السلامة.

 

يصيبك غمٌّ وغثيان وقرف شديد فتخرج مُسرعا من بيوت أموال المصريين المُسمّاة مصارف وبنوك وطنية قد يتبجح مدير أكثرها نهبا بتعليق صورة طلعت حرب فوق مكتبه، ويقابلك في الطريق شخص أمي في مقتبل العمر فتظن أنه حالة نادرة لأن الأمية وصمةُ عار في جبين أي سلطة، وتبحث في كل أرجاء وأركان وأوجاع الوطن فلا تعثر إلا على توجيهات حديثة وغير حماسية من الرئيس عن ضرورة محو الأمية وذلك بعد أكثر من عشرين عاما من السُبات والاهمال المتعمد لأكبر وأخطر مشكلة قومية كانت و لاتزال تأكل الحرث والنسل والخير، وتضع أم الحضارات في ذيل قائمة الدول المهتمة بتعليم نصف سكانها القراءة والكتابة.

منذ عدة سنوات أوحى الرئيس لصحافة السلطة بأنه يعتزم الاعتكاف لمدة شهر كامل في برج العرب للتأمل قبل تشكيل حكومة وطنية كأنها كتيبة من المقاتلين الأشداء.

وبعد ثلاثين يوما من الانتظار ودغدغة مشاعر الجماهير وتنجيم الصحفيين واشتغال أكثرهم بالعمل كعرَّافين لدىَ ساحر يُعلــّـمهم السحر, ويُمنــّـيهم، ويُخَدّر الجماهير؛ خرج التشكيل الوزاري كأنه دينامو عاطل يكبحه تسعة عشر وزيرا من الفاشلين أعاد الرئيسُ اختيارهم بعد شهر من التأمل!

 

 

 

في مصر الحبيبة يمنع الرئيس الابداع والعبقرية من تسلم مواقعها لخدمة الوطن الجريح, فإذا أحسنت الدكتورة منى مكرم عبيد والدكتور أحمد الجويلي والدكتور اسماعيل سلام واللواء أحمد رشدي والمشير أبو غزالة والدكتور ماهر مهران( رحمه الله ) وغيرهم وقدّموا عبقريتهم وجهدهم وعرقهم واخلاصهم؛ فإن الوطن سيركلهم، وسيجلسون في بيوتهم بصحبة دموع دافئة على بلد تتم في كل يوم محاولات اغتياله.

أما إذا فشل الاعلام المصري وتحولت عزبة ماسبيرو إلى أكثر مواقع الفساد العفن والرشوة والمحسوبية فالرئيس لا يتأخر في مد خدمة وزير الاعلام ومنحه مزيدا من الصلاحيات وأمانة الحزب الوطني ويقف على يمينه في كل المناسبات الرسمية والشعبية.

 

وإذا تحولت السياحة لأجمل بقاع الأرض وأكثرها كثافة بكنوز التاريخ والبحر والسحر والجمال والشمس والشعب الطيب إلى ثقافة التسوّل السياحي وتشويه صورة مصر والاحتيال علىَ الزائرين والسياح ورفع الأسعار في كل المدن والقرى السياحية أضعافا مضاعفة والتمييز بين المواطن والسائح وترك اللصوص من الجَمّالين إلى البائعين لرسم مشهد غير صحيح عن شعبنا الكريم، فإن وزير السياحة سيظل في موقعه لا يبرحه مادام الرئيس في ولايته.

كل الأشياء تخضع لقوانين السبب والمسبب باستثناء منهج اختيار رجال الرئيس حسني مبارك.

 

قد تعرض قبض روحك مقابل معرفة أوجه العبقرية في فكر الرئيس لدىَ اختياره رجاله أو الاحتفاظ بقديمهم أو الثناء على أكثرهم فشلا فلا تعثر بالسر ولكن بروح وطن يتفكك، ويتألم، ويتعذب وسط قهقهة عالية تُبكي السماوات السبع والأرض وما بينهما يطلقها آلاف المثقفين والكــُـتــَّـاب والأكاديميين والعلماء والاعلاميين وهم يتركونك بمفردك، أو يطلبون منك الصمت، أو ينصحونك بالسكوت، أو يُلقون على مسامعك تجاربهم الخائبة في الرفض والتي انتهت إلى قبول الأمر الواقع حتى يأتي أمر الله أو ينزل على مصرنا ملائكة مُسوّمين يحققون أحلام رعايا يمشون بجانب الحائط خشية أن تسمع السلطة وقع أقدامهم.

 

عندما حققت شركة مصر للطيران أعلى معدلات الفشل والخدمات السيئة وتراكمت على مكتب الرئيس آلاف الشكاوى، كان يجدد في كل عام لرئيس مجلس ادارتها المهندس فهيم الريان( رئيس مجلس الادارة السابق ) ، فالفشل ليس مقياسا لترك الموقع في فكر فخامته.

طوال ثلاثة عشر عاما كاد طوب الأرض يشكو الرئيس من محافظ الاسكندرية السابق المستشار اسماعيل الجوسقي، وذرف محمود السعدني والدكتور عبد العظيم رمضان والمرحوم سعد الدين وهبة وعشرات غيرهم الدموع في مقالات موثقة عن انهيار عروس البحر المتوسط، وكان الرئيس يزيحها جانبا، أو يبتسم ابتسامة ذات معنى لا يفهمها إلا من أوتي الحكمة أو تملــّـكه حب مصر.

لو تم جمع التحقيقات والوثائق والشكاوى والحقائق التي تم نشرها عن الدكتور يوسف والي لفاقت جبل موسى علوا ، أو غطت على كل شبر من الوطن المعذب، لكن الرجل يتمتع بحماية كاملة من الرئيس حتى لو سقط نائبه يوسف عبد الرحمن في حملات التصفية الداخلية لمراكز قوى الحزب الوطني.

يمكنك أن تفهم النظرية النسبية لاينشتاين، لكنك تعجز عن فهم سبب واحد لاحتفاظ الرئيس سنوات طويلة بكمال الشاذلي!

الشباب والعباقرة والمبدعون الذين تستطيع مصر العظيمة أن تمدّ الرئيس بآلاف منهم قبل طلوع شمس كل يوم وقبل غروبها ومن بعد صلاة العشاء ليس لهم مكان في أي ولاية من ولايات فخامته الأربع أو الخمس، فهم ممنوعون من الاعلام والحقائب الوزارية والادارات الكبرى ومؤسسات الدولة والمصارف الوطنية ومراكز القيادة ووصف الدواء لأمراض الوطن.

عندما خرج اللصوص بمئتي مليار جنيه من أموال الشعب المطحون لم يعاقب منهم إلا قلة نادرة لذر الرماد في العيون، وتم عرض توفيق الأوضاع على الهاربين مقابل استعادة الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة شريطة عدم محاكمة المجرمين.

في المنطقة المُحَرَّمة لا تستطيع أن تعرف حجم ديون مصر، ولا تفهم سببا لارتفاع أعداد مدمني المخدرات لثلاثة ملايين روح مدمرة، وتعجز عن تخيل عالم الأثرياء الجدد الذين يحسدهم بيل جيتس كما يحسدهم أقل من سبعين مليونا من ساكني الأرض الطيبة والصابرة، ولا تسأل عن سبب عدم طرح الرئيس على أصدقائه في ألمانيا وايطاليا وبريطانيا مشروع نزع ألغام العلمين، ولماذا يرفض الرئيس فكرة عدم بيع البترول للاسرائيليين الذين يستخدمونه في تسيير آلة الحرب القذرة ضد الشعب الفلسطيني، ومن الذي وضع ثلاثة وثلاثين من كبار ضباط وخبراء الدولة في طائرة تسقط بهم من سماء الولايات المتحدة دون حساب أو عقاب؟ ومتى ينتهي العمل بقانون الطوارىء، وما هي مسؤوليات الرئيس عن تدهور أحوال الوطن، واقتصاده، والزمن الأغبر الحزين الذي تمَّتْ صناعته في عهده، واسوأ إدارة صنعها حُكْم منذ قرن من الزمان، وأسباب رضا الرئيس عن انتهاكات حقوق الانسان.

وفي المنطقة المُحرّمة ستجد مئة ألف أو يزيد أو ينقص من حكايات وكوارث وتحقيقات موثقة عن فساد وعذابات لا حصر لها ونهب أراض وعقارات وانحدار سلوكي واخلاقي وصناعة إعلام راقص متخلف يقوده أبناء عواجيز ماسبيرو وتحذيرات لانهيار دولة وتطرف ديني وتمييز دولة بين شركاء الوطن من المسلمين والمسيحيين ودموع مليون قبطي مصري في المهجر غادروا مصر وفي قلوبهم حسرات وشكاوى مُرّة من ظلم الدولة والسلطة وجماعات الغلو الديني والاعلام المنحاز.

في المنطقة المحرمة يجلس السيد الرئيس ويرفض رفضا قاطعا عرض ملفات رجاله وحاشيته وأقاربه ومعارفه ووزرائه على أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة، كما تفعل كل الدول المتقدمة، بل تتم تشويه صورة جهازنا الوطني الأمني فيبدو كأنه عدو للشعب، وممارس للتعذيب، ومطارد للوطنيين، وكاتم أنفاس الأحرار.

 

وهذا غير صحيح بالمرة، وصورة كاذبة لجهاز وطني يرغب في التلاحم مع الشعب، ومحاربه أعدائه، والتفرغ لحمايته، ومراقبة خصومه، لكن الرئيس يُفضّل تحجيم وتقزيم وتصغير دور أرقى وأعلى وأشرف الأجهزة الأمنية، فيجعل من رئيس المخابرات وسيطا بين العدو الصهيوني وسلطة وطنية مشبوهة، ويرسل لواءات الأمن في أهم فترات عطائهم للوطن إلى التقاعد، ويجعل وزير الدفاع يسير خلفه في المناسبات غير الهامة والحفلات، ويرفض، كما أسلفنا، إعطاء مباحث أمن الدولة دورها الوطني المفترض أن تقوم به وفي المقدمة فتح ملفات كل رجال الدولة الكبار والوزراء والمحافظين ووكلاء الوزارات وأقارب الرئيس حتى لو كانت أسرته الكريمة.

كل ذلك قطرة في محيط من الانتكاسات والهزائم والدموع والصمت الذي يلوذ به المصريون انتظارا للملائكة التي ستهبط وتنقذ شعبنا الأسير.

 

قد يقرأ مقالي هذا آلاف من المصريين الموجوعين مثلي، والعاشقين أكثر مني لهذا الوطن الطيب، لكن الرسائل التي ستصلني لن تزيد عن سبع، منها ثلاث تشدّ على يدي، ومثلها تتهمني بأنني أعَرّي الوطن وأشوّه صورته، والسابعة ينصحني صاحبها بالصمت لأن اليأس هو الخلاص الوحيد في مصر.

ولن تصلني رسالة واحدة من مصر خشية أن يكون البريد الالكتروني مراقَبــًــا، أو إيمانا من الزملاء المثقفين والاعلاميين بأن الكتابة عملية عبثية لن تُغيّر من الحُكم شيئا.

إننا نُحَمّل السيد الرئيس حسني مبارك وحده المسؤولية كاملة عما حدث لمصر منذ توليــّــه الحُكم، أما الآخرون فجموعة من الأصفار التي لا تهز شعرة في كيان الوطن، ولا تحرّك ورقة من مكانها دون إذْنٍ الرئيس، ولا يُسجَن مواطن أو يُعذَب أو يُقتل بغير رضا فخامته.

 

والرئيس يعرف أنه يحكم أكبر بلد عربي قادر على امداد الحُكم بعباقرة في كل المجالات، وشرفاء مخلصين لحماية مكتسبات ومنجزات أي سلطة، لكنه يرفض عرض الوطن ويفضل رجاله فهم يحمونه وتظللهم حمايته.

لأول مرة في التاريخ يرفض شعب بكامله حقوقه، ويتنازل عنها طواعية، ويصنع الخوف من اشباح، ويمارس قتل أي معارض بالصمت والسكوت.

في داخلي كمية من الغضب والحزن والوجع تكفي لمجرى طوفان لا يُـبـقي ولا يذر، وفي المقابل يمارس المفترَض فيهم أنهم ضمير الوطن دور الصامت المتأمل والذي ينتظر معجزة من السماء قد لا تأتي قبل أن يتم تفريغُ مصر العظيمة من كل كنوزها المادية والروحية والفكرية والثقافية وقبل كل شيء قيمة التسامح الكبرى.

أيها المصريون: ألم يأن الوقت لتقبيل جبين الوطن والدفاع عن ترابه الطاهر؟

وسلام الله على أم الدنيا.

 

محمد عبد المجيد

 طائر الشمال

أوسلو النرويج

 

04.03.2007

Taeralshmal@gmail.com

 

 

 

 

اجمالي القراءات 3094