الصين (الفصل الثاني)

شريف هادي في الأربعاء 09 مايو 2007

حطت بي الطائرة في مطار هونج كونج الجديد ، ذلك المطار الذي هو عبارة عن جزيرة في بحر الصين الجنوبي واسمها على ما أذكر (لانتو) جميع ممرات المطار في الماء وهو تحفة معمارية فالمطار به مترو أنفاق للتنقل بين صالاته وهو واحد من أجمل مطارات العالم يبعد عن وسط البلد مسافة 34 كيلو متر ولكن تربطه بالبلد شبكة مواصلات رائعة بدأ بالقطار السريع الذي يربط بين المطار والجزيرة الرئيسية ويأخذ المسافة في 14 دقيقة ثم شبكة كاملة من الاتوبيس (ذو الطابقين) المسمى (سيتي فلاي) ، وكذلك يمكن Çedil;لتنقل من المطار لمركز البلد أو للصين الوطن الأم بالمركب (فيري بوت) والتي تأخذ المسافة من المطار لأول محطة في الوطن الأم في 35 دقيقة فقط في رحلة ممتعة بالمحيط الهادي ، هذا المطار لم ينسى مصممه أي شيء حتى أماكن العبادة لجميع الأديان السماوية ، وكذلك الديانة البوذية فقط تم تخصيص مكان مناسب لها ، ومن التحف التي يحتفظون بها في المطار طائرة الاخوين رايت ويعلقونها بين صالتي الوصول والتي في الطابق السفلي والمغادرة والتي في الطابق العلوي.
المهم كنت مبهورا ومشدوها من جمال المطار وروعته ، هذا المطار الذي تم انشاءه ليكون بديلا عن مطار كولون والذي كانت ممراته قصيرة جدا مما كان يشكل خطوة على الطائرات في الاقلاع والهبوط ، وما زاد من ابهاري طريقة المعاملة الآدمية التي يحظى بها كل الزوار وفي أقل من عشرة دقائق بعد وصولي بالطائرة كنت قد انهيت جميع الاجراءات وحصلت على تأشيرة دخول لمدة اسبوعين فقط – للعلم تأشيرة دخول هونج كونج لاتصلح للصين والعكس صحيح- ومن العجيب ايضا أنه لم يتم فتح أي حقائب معي ، وقد اندهشت من سرعة تخليص الاجراءات واستلام الحقائب ، ووجدت نفسي بهونج كونج ، ولا أعرف ماذا أفعل؟
الانبهار والاندهاش شعور مالبث أن تلاشى رويدا رويدا ولا استطيع ان اصف شعوري بعدها هل هو الخوف من المجهول؟ أم الرهبة؟ أم الضياع؟ أم التحدي؟ أم الأمل؟ أم التصميم؟ لست مبالغا مع نفسي فكل هذه المشاعر تملكتن في لحظة في كسر الثانية ولكن انتصر التصميم والتحدي المغلف بالأمل ويبدوا أن الشعب المهذب في هونج كونج مع آدمية القوانين وطريقة احترامها وتنفيذها هي التي أحيت الأمل داخلي فكان التصميم مرتبط بالأمل.
وتوجهت لمكتب الاستعلامات في المطار لمعرفة خطوتي التالية ، وكانت الذهاب لنصف البلد (تسيم شا تسوي) للبحث عن فندق للإقامة على أن أتوجه لأي شركة سياحة بنفس المنطقة للحصول على تأشيرة الصين ، سألت موظف الاستعلامات لماذا لا تصلح تأشيرة هونج كونج للصين؟ وعرفت منه أن الجزيرة رجعت للوطن الأم سنة 1997 ، دفاع وخارجية هي جزء من الصين على ان تبقى مستقلة مالية وهجرة لمدة خمسين سنة ، أو كما يقولون بشكل رسمي وطن واحد ونظامين ، وقد أدهشني أن الموظف اجاب على سؤالي وكأنه هو جهاز الكمبيوتر تماما –اجابة صحيحة ومختصة وخالية من أي مشاعر- ذهبت لنصف البلد وأقمت في فندق امبريال وهو فندق ثلاث نجوم ، الفنادق في هونج كونج غالية جدا وامكانياتها ضعيفة جدا فيما عدا فنادق الخمس نجوم فامكانياتها تفوق الخيال وكذلك اسعارها ، وضعت حقائبي بالفندق وقررت التجول في البلد ، ومعرفتها أكثر فقد حدث نوع جميل من الألفة بيني وبين المكان فرغم تواضع امكانيات الفندق إلا انه في غاية النظافة ، من أقام في لندن من قبل لايمكن أن يشعر بالغربة في هونج كونج ، عجلة القيادة في السيارات في الجهة اليمنى ، والحافلات ذات الطابقين ، ومحلات (سفن إلفين) وأسلوب الدعاية وتنظيم الشوارع كل ذلك يجعلك تشعر أنك في أحد أحياء لندن ، فشارع (ناثان) مشابه لشارع (اكسفورد) وميدان (برنس ادوارد) كأنه ميدان (الطرف الأغر) المهم توجهت إلي خليج فيكتوريا ، وشاهدت فندق بننسولا والذي فيه جناح الملكة والذي كان أغلى فندق في العالم حتى تم افتتاح برج العرب في دبي ، وتخطيت الشارع للجهة المقابلة للفندق ويقع بها متحف القبة السماوية ، ومتحف الفنون ، ووجدت لنفسي مكان أجلس فيه على الخليج مباشرة وتكون جزيرة هونج ونج أمامي بمبانيها العالية وناطحات سحابها ، وكان الليل قد بدأ يسدل أستاره ولافتات الدعاية العملاقة فوق هذه الناطحات بدأت في الإضاءة وإلقاء أضوائها على مياه الخليج وحولك مزيج غريب من البشر ، تلاحظ مجموعة من تلاميذ المدارس بزيهم المدرسي باللونين الأبيض والأزرق يجلسون معا يتسامرون ويدخنون وأكبر ما فيهم 15 عاما ، وعاشقان يتبادلان كل أنواع الحب والعشق والهوى ، وعراف همدي يريد أن يقرأ لك الطالع بأي طريقة ، ومصور فوتوغرافي يساعدك على أخذ الصور التذكارية ، وأسرة من أب وأم وطفلين ، ومجموعة من الصيادين ، والكثير من الأوربين كلهم حولك في مزيج رغم غرابته فلا نشاز فيه ، يمكن تعريفه بأنه (الحياة عندما يمتزج ما وهبه الله بما ابتدعه الانسان في تلاقي فريد فيبدع صورة لايمكن لعقل فنان ابتكارها) ، وسألت فتاة تجلس بجواري تقرأ في كتاب ما أسم الحي الذي أمامنا فقالت هذه جزيرة هونج كونج فقلت لها وأين نحن قالت نحن في الجزء الثاني وأسمه (كولون) ولك أن تعرف أن هونج كونج تتكون من ثلاث أجزاء ، الجزيرة الرئيسية ، كولون وشونج شوي ، وماتراه أمامك هو الجزيرة الرئيسية ، وهي أول ما أستأجرته انجلترا من الصين ، ثم ضمت له كولون ثم أخيرا شونج شوي ، وقالت ولكن نحن الأن عدنا للوطن الأم ولا نعرف هل نفرح أم نحزن؟ نعم نحن صينيون ولكننا أصبحت لنا عادات بديلة بعد أن عشنا مع الانجليز مائة عام ، ثم نظامنا يختلف عن نظام الوطن الأم كما أن أقتصادنا أفضل بكثير من اقتصاد الوطن الأم ، نحن الآن ياصديقي في حالة ترقب ، فابتسمت لها وقلت إذا لقد جئت للمكان المناسب فأنا كذلك في حالة ترقب ،سألتني من أي البلاد أنا فقلت مصر فقالت بدون تفكير الهرم - فمصر في شرق أسيا هي الهرم والهرم هو مصر- قلت نعم الهرم والنيل وقلت في نفسي والألم والأمل ، سألتني ماذا أفعل قلت هنا في هونج كونج سياحة ثم أذهب للصين ، وتجاذبنا أطراف الحديث حتى قامت وتركتني وحيدا ، ونظرت لصفحة الماء أمامي ،فوجدته ينظر لي بنظرات كلها حقد وسخرية ويوجه كلامه لي ، سوف تفشل لامحالة فأين أنت ياصعلوك بجوار هذه البلاد الشاهقة الارتفاع في كل شيء مبانيها أسعارها أخلاقها ، فأنت لامحالة عائد لي وسوف أضعك في المكان الذي أرتضيه لك ، لا ليس السجن بل مستشفى المجانين ، فرحلتك رحلة مجانين تستحق عن جدارة جناح ملكي في السرايا الصفرا ، طبعا هو سيف باشا ذلك الوغد الذي كان سببا في كثير من البلاوي والأمراض ،فقلت له بتحدي أيها الصعلوك الحقيقي سيف باشا ، لن أعود اليك ، ولا ترهبني كليماتك ،كما لايرهبني علو هذه البلاد ، فأنا المصري لا أقول أملك تاريخ بل أملك التاريخ حضارتي العظيمة شاهقة الارتفاع في القدم مهما حاولتم طمسها أو اختزالها في شخص واحد فستظل خلفيتي التي اركن عليها وقت الشدة وذخيرتي حينما يجد الجد ويشتد العزم ، ايها الصعلوك سيف باشا أنا مينا موحد القطرين صاحب رمز اللوتس والثعبان ، أنا أحمس طارد الهكسوس أنا رع مسيس عبقري التشييد والبناء أنا حور محب هازم الحيثيين والفينيقيين ، أنا خوفوا باني الهرم الأكبر أنا سونوسيرت صاحب القناة أنا سنوحي طبيب الجمجمة الملكية أنا أخناتون مكتشف الوحدانية ،أنا الاسكندر الأكبر وكيلوبترا والمقوقس وعمرو بن العاص وجوهر الصقلي وصلاح الدين وقطز وبيبرس وقنصوة الغوري وطومان باي ومحمد علي ، أنا باني الهرم ومكتشف فن التحنيط وحافر القناة ، أنا كل هؤلاء وغيرهم كثير ياسيف باشا ،سوف أنجح ، الناس ينظرون لناطحات سحاب هونج كونج من أسفل وأنا أنظر إليها من أعلى فمهما بلغت حد الجمال والابداع فلا قيمة لها بجوار حجر من أحجار الهرم ، وتركت سيف باشا ووجهه الأغبر يغرق بين موجات الخليج ، ورفعت رأسي لربي أكلمه حتى لا يرى سيف باشا في لحظات غرقه دموعي تتساقط عند دعائي لرب العالمين أسأله التوفيق وأستخلفه في أهلي وولدي ، ثم أغمضت عيني فإذا بهاتف يزلزل أركاني ويمتلك وجداني أيها المصري الذي عرف قدره وقدر آباءه التوفيق حليفك والنجاح طريقك فلا تخف.
رجعت للفندق وفي اليوم التالي صباحا ذهبت لشركة سياحة بجوار الفندق ، وأعطيته جواز سفري ومبلغ 300 دولار هونج كونج (1 دولار أمريكي = 7.8 دولار هونج كونج) للحصول على تأشيرة لمدة شهر لدخول الصين وقد طلب مني الرجوع بعد الساعة الثانية ظهرا ، وخرجت من عنده أمشي في الشارع ووجدت منطقة (تسي شا تسوي) مزدحمة جدا وأكثر المقيمين فيها من الأفارقة السمر والهنود والباكستانيين وبها العديد من المطاعم الهندية والباكستانية التي تقدم الأكل الحلال.
من يذهب هونج كونج ولا يركب مترو الانفاق ، فلا يعتبر نفسه زار هونج كونج ، هذا المترو الرائع الذي يغطي بخدماته البلد كلها وبه عشرة خطوط ويصل إلي ستة طوابق تحت الأرض ويمر تحت المحيط ليربط كولون بالجزيرة وفوق المحيط ليذهب للمطار ، ويخدم يوميا حوالي 3.5 مليون من أصل ستة ملايين ونصف وهم كل أهل الجزيرة ، ولذلك قررت أن أركب المترو وأتجه للجزيرة وخرجت في منطقة السنترال أتمشى في الشارع (كوين روود) بين هذه العمارات الشاهقة الارتفاع التي كنت أنظر إليها في الليلة السابقة ، وقد شد انتباهي أن الناس تمشي في الشوارع في حالة تلاصق واحتكاك تعودوا عليها فالمساحة صغيرة بالنسبة لأهلها ، والأمر الثاني أن معظم العمارات الشاهقة الارتفاع مرتبطه بعضها ببعض بممرات أو أنفاق مكيفة وبداخل معظمها الأدوار الأولى كلها أماكن للتسوق (مولات) ، شاهدت محلات ماركز أند سبنسر الشهيرة ومحلات هارودز ملك محمد الفايد ، نظرت للوحة العملاقة المكتوب عليها هارودز وعلت وجهي ابتسامه وقلت في نفسي لعله وقف في مكان ما في يوم ما وتكلم مع نفسه وقال ما فلته لنفسي البارحة وأنا جالس على الخليج.
عدت أدراجي لمنطقة (تسيم شا تسوي) مستخدما المترو ولما خرجت من المخرج (ب) وجدت نفسي أمام المركز الاسلامي بكولون جامع كبير من ثلاث طوابق يطل على حديقة جميلة ، فدخلت على الفور وتوضأت وصليت ماشاء الله لي أن أصلي فرض ونفل ثم خرجت وذهبت لمكتب السياحة فوجدته قد أحضر جواز سفري وعلية تأشيرة لمدة شهر واحد وبدخول مرة واحدة ، أخذت منه الجواز وسألته كيف أذهب للصين قال تأخذ المترو حنى محطة (كولون باي) ومن هناك تستقل القطار حتى محطة (اللوهو) وهي محطة مشتركة بين (شينزين) مدينة صينية في الوطن الأم ، وبين هونج كونج ، ستقابل موظفي الجوازات في المحطة تختم جوازك وتدخل مباشرة للصين ، تركت المكتب وذهبت لمطعم باكستاني لأكل طعام الغذاء وكلي حيوية ونشاط وأقبال غير عادي ، وشعور غريب أنتابني وكأنني نجحت فعلا ، وراجع لمصر بلدي التي تعيش في وتملك علي كل وجداني ، أكلت وجبه حراقة بالكاري والشطة ،ثم أخذت المترو ومنه وصلت للقطار الذي أستقليته حتى وصلت لمحطة (اللوهو) والتي تبعد عن مركز البلد بعشر محطات ، ونزلت من القطار وتوجهت لضباط الجوازات ووجدت طابور طويل وقفت فيه في انتظار ختم الجواز للخروج من هونج كونج والدخول على الصين ، كل واحد واقف في الصف لايأخذ أكثر من دقيقة واحدة ولما جاء دوري وقفت أمام الموظف أكثر من عشر دقائق فتملكني الفضول وسألته لماذا؟ ، وعرفت أن جواز السفر المصري مكتوب بخط اليد فيجب عليه إعادة كتابته كاملا على الكمبيوتر وليس كباقي الجوازات التي يكفيه أن تمر على جهاو (الباراكود) فتظهر جميع البيانات على الشاشة مباشرة ، ولا أعرف لماذا تذكرت سيف باشا؟ وكيف أنه وأعوانه تآمروا على مصر فجعلوها تتأخر عن قطار الحضارة بعشرين سنة على أقل تقدير ، وتم ختم خروجي من هونج كونج ، ووجدت نفسي أمر فوق جسر يربط هونج كونج بالصين فوق نهر اسمه(بن ها) أو (بن خ) كما ينطقها أهل البلاد حتى وصلت لموظف الجوازات الصيني
وللقصة بقية في الفصل الثالث
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شريف هادي

اجمالي القراءات 16009