كيف نعرف دلالة كلمة في اللغة

سامر إسلامبولي في الخميس 26 ابريل 2007

كيف نعرف دلالة كلمة في اللغة
إن الأصل في دلالة الكلمة لغة هو واحد ، وقد أطلق عليه المعنى الإمام . وعندما نستخدم هذه الكلمة في حياتنا المعيشية والثقافية تظهر دلالة هذه الكلمة بصور متعددة تلبس الحالة التي تم فيها الاستخدام مع بقاء واستمرار دلالة الكلمة لغة قائمة الذي هو المعنى الإمام.
وعلى سبيل المثال نأخذ كلمة (كتب ) فهي تدل على مجرد عملية الجمع المتوقف للشيء المتجانس ولكن حين استخدامها الثقافي تأخذ عملية الجمع صورة الواقع المعني بالجمع فنقول :
1- كَتَبَ الطالب الوظيفة . بمعنى أنه قام بعملية جمعها بواسطة الخط على دفتر .
2- كَتَبَ زيد كتابه على زينب . بمعنى أنه قام بجمع نفسه ونفس زينب معاً بقصد الزواج .
3- كتب الله على نفسه الرحمة . بمعنى جمع هذه الصفة مع نفسه بصورة إلزام .
4- كتب الله على النساء الحيض . بمعنى جمع هذه الصفة وإلصاقها بالنساء فطرة .
ونقول : مكتب . اسم مكان يتم فيه جمع الأشياء المتجانسة . ومنه المكتبة
ونقول : اكتَتَبَ الناس . ونقول : اكتَتِبوا أيها الطلاب .
ونقول : كتاب الفقه ، وكتاب الصلاة ، وكتاب التوحيد ، وكتاب الطب ....الخ
إذاً دلالة كلمة ( كتب ) هي واحدة ولكن تظهر بصور متعددة حسب استخدامها في الواقع .
والناس من طبيعتها تميل إلى التساهل وتفسير الشيء بمآله ، ومن هذا الوجه نجد شيوع صورة لاستخدام كلمة في الثقافة وحصرها عملياً في ذلك عند الاستخدام .مثل شهرة صورة دلالة كلمة ( كتب ) بأنها استخدام القلم والخط على الورق . ولكن هذا الشيوع ما ينبغي أن يتم استخدامه في عملية البحث والدراسة وجعل ذلك مصدراً أو مرجعاً وخاصة في دراسة النص القرآني .
[ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا ]
[ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ]
[ كتب ربكم على نفسه الرحمة ]
[ ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا ]
وبعد هذه التوطئة نأت إلى دراسة دلالة كلمة ( ملة ) ومحاولة الوصول إلى المعنى الإمام للكلمة من خلال القاسم المشترك الكامن في صور استخدامها الثقافي .
1- قال تعالى : [ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ]
[ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ]
نلاحظ أن دلالة كلمة ( ملة ) ظهرت في النصين بصورة الجمع من الناس الذين يعتقدون بمعتقدات معينة مستمرة خلال الزمن طال أم قَصُرَ .
انظر إلى قوله تعالى : [ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودُن في ملتنا ...] بمعنى الرجوع والانضمام إلى جماعتنا وحمل معتقداتنا . قال تعالى : [ ولن ترض عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ] بمعنى الانضمام والتقيد بجماعتنا فكراً وعقيدة .
نصل إلى أن دلالة كلمة ( ملة ) يلزم لها عملية الجمع المتصل مع بعضه ومستمر على ذلك ، فلا يصح استخدام كلمة ( ملة ) على فكر لا يحمله أو يتمثله في الواقع جماعة من الناس . فالجمع من الناس ضروري لظهور دلالة كلمة ( ملة ) وهؤلاء الجماعة مجتمعون على عقيدة معينة يتمثلونها في واقعهم المعيشي.
فتكون صورة دلالة كلمة ( ملة ) هي الجمع من الناس الذين يحملون عقيدة واحدة ومستمرون على ذلك في الواقع دون توقف عن ممارسة معتقداتهم .
انظر إلى تحليل أصوات أحرف كلمة ( ملة ) .
م : صوت يدل على جمع متصل .
ل : صوت يدل على حركة مستمرة متصلة بطيئة .
ت : صوت يدل على جهد خفيف .
وجمع الأصوات بترتيب كلمة ( ملة ) يوصلنا إلى المعنى الإمام للكلمة . الذي هو : جمع متصل متحرك باستمرار وبطئ دون توقف .وجذر الكلمة الثنائي هو ( مل ) .
وبعد هذا الشرح والوصول إلى المعنى الإمام لكلمة ( ملة ) نأتي إلى الصور الأخرى التي تم استخدامها في النص القرآني .
مثلاً :
1- [ فليكتب وليملل الذي عليه الحق ....]
ففعل الكتابة غير فعل الإملاء . فما هي الصورة التي ظهرت لفعل الإملاء في الواقع !؟
نلاحظ أن فعل الإملاء هو قيام الإنسان باختيار كلمات معينة ( جمع متصل ) يقوم بلفظها على الآخر بصورة مستمرة بطيئة . وهذه الصورة هي المستخدمة في الثقافة المدرسية من خلال عملية الإملاء على الطلاب .
2- [ ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ...]
نلاحظ من خلال سياق النص وإسقاطه على محله من الخطاب أن صورة دلالة كلمة ( أمليت ) أتت بصورة استخدام الجمع المتصل من الزمن واستمراره ببطئ مع عملية الإملاء لهم من وعد ووعيد ، ونذارة وبشارة . ولتقريب ذلك نقول بمعنى المهلة الزمنية من باب تفسير الشيء بمآله .
لذا ينبغي تثبيت دلالة الكلمة الإمام أولاً ، وبعد ذلك ندرس صور ظهورها واستخدامها في الثقافة من خلال اسقاطها على محلها من الخطاب ، وملاحظة تحقق دلالة الكلمة الإمام في كل الصور المستخدمة .
وبعد هذا العرض نصل إلى الفرق بين كلمة ( ملة ) وكلمة ( دين ) .
الدين هو اسم لما يدين الإنسان به من فكر وعقيدة وما ينبثق منهم من شريعة ونظام . سواء حمله فرد أم جماعة ، لا يستمد وجوده من الناس . [ إن الدين عند الله الإسلام ]
الملة : هي عقيدة يحملها مجموعة من الناس ومستمرين عليها . ومن هذا الوجه يظهر العلاقة بين الدين والملة .
فالإسلام دين الله عز وجل ارتضاه للناس ، والذي حقق الصورة الصحيحة لهذا الدين على أرض الواقع هو النبي الإمام إبراهيم عليه السلام لذلك أمر الخالق بإتباع ملة إبراهيم وترك واجتناب كل المِلل الأخرى التي تعد نفسها أنها تحمل دين الله عز وجل . مثل ملة اليهود ، وملة النصارى ....الخ .
لذا من الخطأ الفادح استخدام كلمة الدين اليهودي أو النصراني ...فالخالق لم ينزل إلا ديناً واحداً هو الإسلام . وهذا الدين قائم على محور ثابت لم يتَغير منذ بدء نزوله ألا وهو محور التوحيد ( الإيمان بالله واليوم الآخر ) وكان يتم بناء محور تشريعي له صفة الإنسانية والعالمية ينزل تباعاً ويتراكم حسب ما يسمح به المستوى المعرفي للأقوام إلى أن تم بناءه كاملاً في بعثة النبي محمد ( ص ) ونزل هذا الشرع كاملاً في القرآن وتم الإكمال للدين فاقتضى ختم النبوة . وصار الشرع القرآني شرعاً إسلامياً . وكان ينزل برفقة الأحكام الشرعية الإسلامية للأقوام السابقة شرع عيني قومي ظرفي يحتوي على الآصار والأغلال عقوبة لكفرهم ويتغير من قوم إلى آخرين حسب تغير الوقائع ويتناوله النسخ والتعديل . وهذا دلالة النص [ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ] ولكن بعد أن اكتمل الدين الإسلامي بشرعه الحنيف صار الشرع والمنهاج الإسلامي واحد للناس كلهم . وتم نسخ الشرع الخاص الظرفي .
أما فكرة أن الشرع الإسلامي كاملاً كان موجوداً في زُبر الأولين خطأ وقاصرة لأن ذلك يتنافى مع مفهوم الإكمال . ومعلوم أن عملية الإكمال للشرع الإسلامي حصلت في نزول القرآن والذي كان في الزبر والصحف الأولى الربانية هو التوحيد أصلاً وبعض من الأحكام الشرعية الإسلامية والباقي شرع ظرفي عيني .
والنتيجة :
أنزل الله ديناً واحداً فقط هو الإسلام . أما الملة فهي المجموعة من الناس التي تمثلت هذا الإسلام بصورته الصحيحة بقيادة إمامهم النبي إبراهيم عليه السلام . والنبي محمد صلى الله عليه وآله كان متبعاً للنبي إبراهيم أبو الأنبياء من حيث التوحيد والمنهج .
لذا ينبغي حذف مقولة الأديان السماوية أو تعددها . وحصر ذلك في الدين الإسلامي فقط . فالرب واحد والدين واحد . والانتباه إلى أن اليهودية والنصرانية ليست أدياناً وإنما هي مِلَلٌ .

اجمالي القراءات 12816