اللسان العربي أصل وأم للألسن كلها

سامر إسلامبولي في الأربعاء ١٨ - أبريل - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً

اللسان العربي أصل وأم للألسن كلها
[ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .....] البقرة 213
[ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ....] يونس 19
الأصل في الوجود الإنساني هو الأمة الواحدة ، وهذا يقتضي التقلص في العدد كلما أوغلنا في القدم ، والحد من عملية انتشارهم في الأرض فهم كانوا يعيشون في بقعة واحدة ويتكلمون بلسان واحد وهو اللسان العربي ، وبعد ذلك بدأت عملية الانتشار والتفرق للأمة بصورة جماعات تبتعد عن المركز ، وكلما ازداد ابتعادهم عن المركز كلما ازد&ml;اد اختلاف ألسنتهم عن اللسان الأم من حيث طريقة اللفظ أو تبديل أصوات الأحرف بغيرها كما هو معلوم مثل قلب الجيم ياءً نحو (رجَّال) صارت (ريَّال) . أو قلب القاف غيناً نحو (قادر) صارت (غادر) . أو قلب العين همزة نحو (أعطني) صارت (أنطني) .أو قلب الكاف إلى حرف الشين إذا أتت في خطاب للأنثى نحو (أبوكِ) تصير (أبوشِ) ....الخ
ومع استمرار الزمن وعامل تأثير البيئة الجغرافي والغذائي على الإنسان بجانب التنشئة الثقافية تكرست هذه اللهجات في القبائل والشعوب ، وشاركت عملية الصنعة والاصطلاح في ظهور لهجات بعيدة وغريبة عن اللسان الأم حتى يحسب الذي لا يعرف الحقيقة أن هذه اللهجات ألسنة قائمة بنفسها لا علاقة لها بالأصل العربي . والصواب أنها لهجات عربية محرفة ومجعولة من الأصل ومثلها مثل الثمار والشجرة ، فاللسان العربي الأصيل هو الشجرة ، واللهجات هي الثمار المطعمة بمختلف الطعوم من حلو ومُرٍّ ولفان ، والتعامل مع الثمرة فقط يبعدنا عن معرفة الشجرة ، غير أن الثمرة لا تملك إمكانية النمو والتكاثر مثل الشجرة ، وهكذا اللهجات فهي ثابتة على ما هي عليه غير قابلة لعملية النمو والتكاثر بصورة طبيعية ، وإنما تنمو بصورة اصطلاحية اعتباطية ، بينما الشجرة اللسان الأصيل يملك صفة النمو والتكاثر بصورة طبيعية من خلال نظام الثابت والمتغير وظهر بعملية الاشتقاق والتوليد للكلمات من بعضها بصورة منسجمة كل الانسجام مع حركة ومنظومة الكون الثنائية والزوجية . وهذا السبب الذي أدى إلى اختلاف الألسن بين الشعوب [ ومن آياته اختلاف ألوانكم و ألسنتكم ]
لذا مسألة علمية اللسان وفيزيائيته لا تنطبق إلا على اللسان الأم لمحافظته على صفته الأصيلة ، بينما اللهجات الأخرى فقدت أصالتها لبعدها عن المركز وتحريفها تبديلاً وتقديماً وتأخيراً للنطق بالكلمات إضافة للزيادة والنقصان كل ذلك وغيره سلب من هذه اللهجات الصفة العلمية ، وبالتالي لا تصلح للدراسة العلمية ، وينبغي أن تتوجه الدراسة إلى اللسان الأًصيل القائم في أساسه على الثنائيات الفطرية التي نمت وتوسعت وفق نظام الثابت والمتغير .
وإذا أردنا أن ندرس أي لهجة من الألسن ينبغي القيام بعملية التحليل والتصفية للكلمات من خلال إزالة الحروف الزائدة في اللفظ ، وإرجاع صوت الحرف الذي تبدل إلى أصله وحذف أصوات أحرف المد ( آ ، و ، ي ) من الكلمة لأنها ليست أصلاً فيها ، وإرجاع ترتيب أحرف الكلمة إلى أساسها إذا كانت مقلوبة . انظر مثلاً إلى كلمة : ( أرض ) صارت ( أرظ ) وصارت ( أرث ) فالضاد تم لفظها بصوت الظاء لانتفاء القدرة على لفظ الضاد ، ومن أخذ كلمة ( ( أرظ ) ولم يتمكن من لفظ صوت الظاء لَفظه ( ثاء ) لأن الإنسان الذي يفقد القدرة على لفظ صوت معين يقوم بصورة فطرية على استبداله بأقرب صوت له من أقرب مخرج له من النظام الصوتي فأقرب صوت إلى الضاد من حيث المخرج هو صوت الظاء ، وأقرب صوت إلى الظاء من حيث المخرج هو صوت الثاء . وهكذا يتم التعويض والتبديل وتظهر اللهجات مع تلك العملية . وأكثر ما تظهر هذه العملية في بدء نطق الأطفال من حيث التقديم والتأخير للأحرف ، والتعويض والإبدال للأصوات التي لم يتمكنوا من لفظها بعد .
وأصوات المد التي تسمى أحرف العلة أو الأحرف الصوتية ( آ ، و ، ي ) تدل على :
آ – صوت يدل على امتداد منته باستقامة .
و – صوت يدل على امتداد منته بضم .
ي – صوت يدل على امتداد منته بِبُعد وجهد خفيف .
وهذه الأصوات ليست من أصل الكلمات وإنما تدخل إليها لتعطيها بُعداً معيناً حسب دلالة صوت الحرف الذي دخل . انظر على سبيل المثال إلى هذه الكلمات :
كتب : كاتب ، مكتوب ، كتيبة .
حصد : حاصد ، محصود ، حصيدة .
خلق : خالق ، مخلوق ، خليقة .
قتل : قاتل ، مقتول ، قتيلة .
ضرب : ضارب ، مضروب ، ضريبة .
فأصل دلالة الكلمة يعرف من خلال تجريدها من أحرف المد ، والمعنى الذي نصل إليه يكون هو المعنى الإمام الذي ينبغي تحققه واستمراره في كل الدلالات مع مراعاة الأحرف الزائدة والانتباه إلى دلالتها لأنها تضيف إلى المعنى الإمام صورة جديدة ، فكلمة ( كتب ) تدل على جمع متوقف . وعندما أضفنا إليها حرف ( آ ) صارت ( كاتب ) اسم فاعل يدل على من اتصف بفعل ( كتب ) وكذلك ( مكتوب ) اسم مفعول يدل على الشيء الذي تم فيه عملية الجمع ،وكلمة ( كتيبة ) تدل على جماعة متحقق فيها صفة معينة اجتمعوا عليها . لذا ينبغي الانتباه إلى المعنى الإمام للكلمة من خلال تجريد الكلمة من أحرف المد والأحرف الزائدة ، وتثبيت المعنى الإمام ، ومن ثم إضافة حرف المد والأحرف الأخرى لمعرفة توجه المعنى الإمام في الواقع كيف حصل وما المقصد بحرف المد والأحرف الأخرى في دخولها على المعنى الإمام . انظر إلى كلمة ( مكتوب ) أصلها كلمة ( كتب ) التي تدل على مجرد تجمع الشيء المتجانس المنتهي بتوقف . دخل عليها حرف ( م ) في بدايتها ليعطيها دلالة الجمع المتصل ، ودخل في وسطها حرف ( و) ليعطيها دلالة المد المنتهي بضم . وباجتماع هذه الدلالات لأصوات الأحرف ظهرت دلالة كلمة ( مكتوب ) في الواقع كيف حصلت دلالة المعنى الإمام، وكذلك كلمة ( مكتب ) اسم مكان ، وكلمة ( تكاتبا ) تدل على المشاركة في الفعل .
إن تجريد الكلمة من أحرف المد والأحرف الزائدة يوصلنا إلى معرفة كيف تم تداخل وانتقال الكلمات العربية من أصالتها إلى اللهجات الأخرى مع مراعاة طريقة لفظ الأصوات في الشعوب الأخرى ، وعملية التقديم والتأخير للأحرف أثناء اللفظ بها . لأن من المعلوم أن الناس يتأثرون بالوسط الجغرافي والثقافي والغذائي في إمكانيتهم اللفظية للأصوات ، وهذا سبب غياب بعض الأصوات في لهجات ووجوده في لهجات أخرى ، غير طريقة لفظ الصوت ذاته . مع تميز اللسان العربي الأصيل ومحافظته على النطق بصوت الضاد والظاء مثلاً حتى صار اللسان العربي اسمه لسان الضاد .
والذي حافظ على أصالة اللسان العربي من أن ينقرض أو يتحرف هو بقاء قوم يعيشون في المركز تمسكوا بأصالة لسانهم وحافظوا عليه من خلال مطابقة لفظهم لمحله من الخطاب بصورة حالية أو وظيفية،وعندما نزل القرآن ثبت هذا المقياس والميزان العربي باستخدام اللسان العربي في الخطاب القرآني ، وتم الحفظ لكليهما معاً ليصيرا المرجع والإمام في اللسان العربي .

اجمالي القراءات 19957