لمحة عامة
الفتنة الكبرى الثانية : من سفك الدماء الى تأسيس أديان أرضية :

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 06 ابريل 2016

الفتنة الكبرى الثانية : من سفك الدماء الى تأسيس أديان أرضية :

لمحة عامة  

أولا :

1 ـ أن تخاطب الله جل وعلا تستغفره وتسبحه وتحمده وتدعوه فهذه هى العبادة فى الصلاة والدعاء ، والمؤمن يخاطب ربه فى صلاته . والفاتحة التى يقولها 17 مرة يوميا هى خطاب المؤمن لربه جل وعلا ، ومفروض أن يخاطب ربه جل وعلا بخشوع وأن يدعوه بخشوع . وبذكره جل وعلا تطمئن القلوب .  

أمّا أن تزعم أن الله جل وعلا يخاطبك ويكلمك ويوحى اليك فهذا أفظع الكذب على الله جل وعلا . وإذا كنت البادىء بهذا فأنت تخترع دينا أرضيا . وكل مخترعى الأديان الأرضية بدأوا بهذا الكذب ، وكل الأديان الأرضية مؤسسة على وحى إلاهى مزعوم مفترى . ويتنوع هذا الوحى الكاذب بين المنامات الرؤى والهاتف ونسبة حديث لرب العزة فيما يزعمون أنه الحديث القدسى ونسبة حديث للنبى فيما يزعمون أنه الحديث النبوى ، ونسبة أحاديث للآلهة الأرضية ، وهناك من يزعم رؤية النبى فى المنام ، وبعضهم يزعم رؤية النبى يقظة كما كان يزعم السيوطى . وإشتهر الحنابلة والصوفية بمزاعم رؤية الله جل وعلا فى المنام والحديث معه، واشتهر الصوفية بخرافة العلم اللدنى الذى يزعمون أنهم يتلقونه مباشرة من الله ــ تعالى عن ذلك علوا كبيرا . والغزالى أشهر من زعم ذلك ، وقد ملأ كتابه ( إحياء علوم الدين ) بهذا الخبل العقلى . ولم يتخلف الشيعة عن ميدان الافتراء هذا ، فبالاضافة الى أحاديثهم التى ينسبونها للنبى ولعلى بن أبى طالب ، فهم ينسبون لأئمتهم أقوالا يعتبرونها دينا .

2 ـ وعموما ، فهناك وحى إلاهى صادق نزل على كل الأنبياء ، والقرآن الكريم هو الوحى الالهى النهائى باللسان العربى للبشر جميعا والى قيام الساعة، يقول جل وعلا :( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) الشعراء ) (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) الشعراء). وانتهى الوحى الالهى نزولا بإكتمال القرآن الكريم وموت خاتم النبيين ، ولكن الوحى الشيطانى مستمر لا يزال يتنزل على أتباع الشياطين من أئمة الأديان الأرضية ، يقول جل وعلا : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) الشعراء ). وكل أئمة الأديان الأرضية أصحاب وحى شيطانى  من سنة وتشيع وتصوف وكاثولوكية وارثوذكسية وبوذية..الخ ، وكل أئمة الأديان الأرضية أعداء للأنبياء لا فارق بين مالك والشافعى وابن حنبل والبخارى والغزالى وبولس والكلينى والكاشانى والشعرانى والجيلانى ..الخ  . يقول جل وعلا : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الانعام ) (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان ).

ثانيا :

1 ـ بعد موت النبى ظهر مسيلمة الكذاب وطليحة وسجاح يزعمون الوحى الالهى . كانت حركة ردة إعرابية ساذجة تعبّر عن رد فعل للهيمنة القرشية .  وبعد إخماد قريش لحركة الردة هذه ، قامت قريش بزعامة الخلفاء الراشدين بردة أخطر تعبّر عن المكر القرشى الذى وصفه رب العزة بأنه مكر تزول منه الجبال ( ابراهيم 46 ) . هى الأخطر ، لأنها لم تعلن الانسلاخ عن الاسلام بل حملت إسمه وإستغلته فى الغزو والاحتلال وما يُعرف بالفتوحات.هو كُفر سلوكى بالاعتداء والظلم للبشر يثضاف اليه ظلم لرب العزة جل وعلا ، يستخدم إسم رب العزة ضد شرع رب العزة القائم على السلام والعدل وحرية الدين وعدم الاكراه فى الدين . وبينما لا يزال مسيلمة الكذاب يحمل لقب ( الكذاب ) فإن من كانوا يفوقونه فى الكذب وفى الاجرام لا يزالون يحملون لقب ( الخلفاء الراشدين ). !! هذا أكبر دليل على مكر قريش الذى تزول منه الجبال ، ولا يزال بلايين المسلمين خلال 14 قرنا أسرى لهذا المكر الذى تزول منه الجبال .!!

2 ـ شرع الله جل وعلا يجعل القتال محصورا فى الدفاع فقط (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)  البقرة ) ، ويأمر بالبرّ والقسط مع الأمم المخالفة فى الدين التى لم تقاتل المؤمنين ولم تُخرجهم من ديارهم (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة ) ، ويجعل الكافر فى مجال التعامل البشرى هو الذى يعتدى ظالما على المسالمين كما كانت قريش تفعل مع النبى والمؤمنين معه ، كما يجعل المسالم المأمون الجانب هو المسلم المؤمن بغض النظر عن عقيدته لأن مرجع الاختلاف فى الدين والعقائد هو لرب العزة جل وعلا يوم القيامة .

3 ـ قامت قريش بزعامة (الخلفاء الراشدين ) بتغيير ذلك . إتهموا الأمم الأخرى التى لم تعتد عليهم ولم تهاجمهم بأنهم كفرة ، وبتكفيرهم إستباحت قريش بزعامة الخلفاء الراشدين غزو تلك الأمم واحتلال أراضيهم وبلادهم وسلب ثرواتهم واستعباد ذراريهم وسبى وإغتصاب نسائهم . وإستغلت قريش ـ بمكرها الذى تزول منه الجبال ـ حيوية الأعراب الحربية ، وأقنعتهم بأن هذا هو الجهاد الاسلامى ، وأنهم به يكسبون الأموال والنساء فى الدنيا والجنة فى الآخرة . ورحّب الأعراب بهذا فتفانوا فى القتال تحت قيادة قريش ففتحت بهم الشام والعراق وايران ومصر وشمال افريقيا . ثم تبين لهم فى خلافة عثمان أن قريش إستحوذت على كل الغنائم وتركت لهم الفُتات ، فثاروا وقتلوا عثمان ، وإشتعلت الفتنة الكبرى فى حرب أهلية ضروس .

4 ـ هذه الفتنة الكبرى الأولى جعلت بعض الأعراب ( خوارج ) . هؤلاء الخوارج إستعملوا سلاح التكفير ضد قريش وكل من هو خارج عنهم . أى إنه إذا كانت قريش قد إستعملت التكفير للآخرين مسوغا لغزوهم واحتلالهم وسلبهم وسبيهم وإستعبادهم فإن الخوارج إستعملوا نفس سلاح التكفير ضد قريش وسائر ( المسلمين ) مسوغا لقتلهم وقتل أطفالهم . ومن العجيب أن الخوارج قصروا تكفيرهم للمسلمين فقط دون أهل الكتاب . وبهذا تأسس دين الخوارج ، كان تطرفا فى العبادة السطحية يستر تطرفا فى القتل العشوائى ، اى كان كفرا سلوكيا دمويا يصاحبه كفر عقيدى يسوّغه ويُشرّعه ، بنفس ما سوّغت قريش فتوحاتها .

5 ــ وعلى هامش الفتنة الكبرى ــ  التى بدأت بقتل عثمان عام 35 ، وانتهت بقتل (على ) عام 40 ــ  بدأ نوع آخر من الكفر العقيدى ، هو صناعة أحاديث منسوبة للنبى عليه السلام ، تناصر عليا وحزبه وتهاجم معاوية وحزبه والخوارج ، أو العكس . وبرز إسم أبى هريرة عميلا لبنى أمية فى هذه الحرب الفكرية التى بدأ بها الكفر ( العقيدى ) بالكذب على النبى ، مصاحبا للكفر السلوكى الذى تمثل فى حروب الجمل وصفين والنهروان .

وفى الفتنة الكبرى الأولى ظهر التشيع ، بالسبئية الأولى بعبد الله بن سبأ الذى أعلن تأليه (على بن أبى طالب ) ورجعته بعد موته ، كما ظهرت بوادر الدين السُّنّى من قبل بدور ( كعب الأحبار ) الذى كان معلما لأبى هريرة ، ومؤسسا لما أصبح فيما بعد بالدين السُّنّى . وكلاهما ( ابن سبأ وكعب الأحبار ) كانا من يهود اليمن وأسلما فى خلافة (عمر ) ، وإنضم ( كعب ) الى معاوية فى ولايته على الشام بعد أن حظى فى خلافة (عمر ) بينما إنضم ابن سبأ الى فريق (على ) وأدرك خلافة (على ) .

6 ــ بالفتوحات والفتنة الكبرى تأسّست جذور الأديان الأرضية للمسلمين ، وهى تشريع بتكفير الآخر لاستحلال دمه وثروته وذريته ، وبالكذب على النبى وإختراع وحى كاذب . ولا يزال هذا سائدا حتى اليوم . فالوهابية تستعمل سلاح التكفير لتُسوّغ به إستحلال دم المخالف لها وحقوقه ، بل إن الوهابيين يستخدمون التكفير لاستحلال دماء بعضهم ، والمعارضة الوهابية فى الدولة السعودية قامت بتكفير الأسرة السعودية ، وفقهاء الأسرة السعودية يكفّرون المعارضة لإتاحة الفرصة للأسرة السعودية كى تقتلهم .

ثالثا :

1 ـ وأنتجت الفتنة الكبرى الأولى الفتنة الكبرى الثانية . وممّن اشعل الفتنة الكبرى كان مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير ، وقد أصبحا أعمدة الفتنة الكبرى الثانية التى بدأت بقتل الحسين وآله فى كربلاء عام 61 وانتهت بقتل ابن الزبير عام 73، وتخللتها معارك ومآسى أكبر وأفظع من معارك الفتنة الكبرى الأولى . وكانت لهذه الفتنة الكبرى آثار إجتماعية وأخلاقية تمثلت فى الانحلال الخلقى ، الذى نشره الأمويون فى مكة والمدينة لشغل أهلها عن الطموح السياسى ، كما كان لهذه الفتنة الكبرى الثانية آثار فى تأسيس أديان أرضية ، أهمها التشيع . جاءت الفتنة الكبرى الثانية فأسست كفرا عقيديا إضافيا لدين التشيع بالذات ، وظهر هذا مبكرا فى الدولة الأموية ، وقد جاء على هامش الصراع السياسى والعسكرى بين حزب العلويين وحزب الأمويين .

2 ـ المدينة التى تزعمت المعارضة للأمويين ثم هزمها الأمويون دخلت فى طور جديد بعد موقعة الحرة .   توزعت المدينة بين تيارى ( المجون والفسق ) و ( التزمت الدينى ) الذى تخصّص فى صناعة الأحاديث ، ومن الطريف أن المدينة التى كانت ماخورا للمجون هى نفسها المدينة التى إخترعت تشريع الرجم للزانى المحصن ، ونسبه مالك الى سعيد بن المسيب ، يزعم أن سعيد بن المسيب سمعه من عمر بن الخطاب ، هذا مع أن سعيد بن المسيب لم ير عمر بن الخطاب .!

3 ـ وبالإفتراء جعلوا المدينة حرما يضاهى الحرم المكى وجعلوا قدسية للقبر المنسوب للنبى وأوجبوا الحج له ، وجعلوا ذلك من شعائر الحج فى الاسلام كما لو كان النبى يحج الى قبره فى حياته .!!.

4 ـ  هذا التكريم والتقديس للمدينة جاء رد فعل للإهانة الى حدثت للمدينة فى موقعة الحرة . لذا ظهر فيها ( مالك بن انس ) الذى قام تلامذته بكتابة كتابه ( الموطّأ ) فى نُسخ كثيرة ومتعددة تخلو من الاستشهاد بالقرآن الكريم ، وتمتلىْ بأحاديث منسوبة للنبى وللصحابة والتابعين ، يزعم مالك أنه سمعها من ابن شهاب الزهرى ، وهو لم يلق ولم ير إبن شهاب الزهرى كما حققنا هذا من قبل. الذى يهمنا أن مالك بن انس جعل (عمل أهل المدينة ) مصدرا للتشريع فى دينه الأرضى تعصبا منه للمدينة . أى شهدت المدينة بعد مأساة ( الحرة ) إنحلالا خُلُقيا وإنحلالا عقيديا تمثل فى تأسيس الدين الأرضى السّنّى ، كأثر من آثار الفتنة الكبرى الثانية ( 61 : 73 ) .

أخيرا :

ونعطى بعض التفصيلات فى هذا الفصل لأثر الفتنة الكبرى الثانية ( 61 : 73 ) فى تأسيس الأديان الأرضية للمسلمين .

اجمالي القراءات 6920