عرض مقدمة ابن خلدون:ب3:( ف 32 :33):أمير المؤمنين والبطرك والكوهن

آحمد صبحي منصور في السبت 05 سبتمبر 2015

كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون

تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية

                                   الفصل الثاني والثلاثون

                            لقب أمير المؤمنين للخليفة

متى بدأ لقب أمير المؤمنين؟

     كان لقب أبي بكر عندما تولى " خليفة رسول الله "، وبعده تلقبعمر بـ" خليفة خليفة رسول الله" ، وكانوا يسمون قادة الجيش بالأمير من الإمارة ، وتسمىسعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين حين كان قائدا على جيش القادسية ، ونظرا لطول لقب عمر ، فقد استحسن أن يطلق عليه لقب " أمير المؤمنين " واختلف فيمن نادي عمر بهذا اللقب لأول مرة ، فقيل عبدالله بن جحش، وقيل عمرو بن العاص ، وقيل المغيرة بن شعبة ، ثم أصبح لقبا على كل خليفة .

بين لقب الإمام ولقب أمير المؤمنين

   والشيعة إختصوا علياً بلقب الإمام هو ومن يجعلونه إماما من ذريته طالما يدعون له بالخلافة سرا ، فإذا نجح في إقامة الدولة تحول اللقب إلى أمير المؤمنين ، وهكذا فعل شيعة بني العباس ودعاة الفاطميين في شمال أفريقيا ، والأدارسة بالمغرب .

ألقاب أخرى لأمير المؤمنين

     وكان لقب أمير المؤمنين سمة لمن يملك الحجاز والشام والعراق حيث عصبية العرب ومركز الدولة ، واستحدث العباسيون لقبا آخر للخلفاء يتميزون به عن غيرهم وعن الإمتهان في إستعمال الناس ، فتلقب العباسيون بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد .. وسار على نهجهم الفاطميون . وأعرض عن ذلك بنو أمية في الأندلس لما فيهم من البساطة حيث كانت العروبة والبداوة لم تفارقهم بعد . ثم جاء الناصر ورأي تحكم الموالي في الخلفاء العباسيين فتسمي بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله ، وصارت عادة في دولته.

ألقاب للحكام المستبدين بالأمر

     ثم انقرضت عصبة العرب فيما بين العراق ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وتغلب الموالي على الحكم فاختلفت مذاهب الملوك في الإختصاص بالألقاب بعد أن تسموا جميعا باسم السلطان.

     فملوك الشرق احتفظوا بألقاب تشريفية تعبر عن طاعتهم وحسن ولائهم مثل شرف الدولة وعضد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة .. فلما استبدوا بالخلفاء قنعوا بألقابهم ولم يأخذوا ألقاب الخلافة تأدبا معها .                               

     وحين تلاشت عصبية الخلافة وقوي إستبداد وتمكن المتغلبين أطلقوا على أنفسهم ألقابا ملكية مثلالناصر والمنصور بالإضافة إلى ألقاب دينية كصلاح الدين وأسد الدين ونور الدين . وأما ملوك الطوائف بالأندلس فقد إقتسموا ألقاب الخلافة وتوزعوها بما كان لهم من عصبيات محلية فقال فيهم ابن شرف :  

             مما يزهدني في أرض أندلس           أسماء معتمد فيها ومعتضد            

             ألقاب مملكة في غير موضعها         كالهرّ يحكي إنتفاخا صولة الأسد     

     وفي شمال أفريقيا اقتصر أمراء صنهاجة على الألقاب التي كانت لهم في عصر الدولة الفاطمية ،مثل نصير الدولة ومعز الدولة ، وبعد أن نسوا عهد الخلافة الفاطمية إقتصروا على إسم السلطان . وكذلك فعل ملوك مغراوة بالمغرب .

      ولما ملك إبن تاشفين بقبيلته لمتونة البربرية شمال أفريقيا والأندلس دخل في طاعة المستظهر بالله العباسي فاستخلفهالمستظهر على المغرب ، وأعطاه لقب أمير المؤمنين تشريفا له فاتخذه لقبا. 

      ثم جاء المهدي بالموحدين ومذهب الأشعرية وعصمة الإمام ، وأعتقد محمد بن تومرت

 ( المهدي) أنه الإمام المعصوم الذي يحفظ  بوجوده نظام العالم ، وترك لقب أمير المؤمنين ، ثم انتحل خليفته عبد المؤمن لقب أمير المؤمنين ، وسار على ذلك خلفاؤه حيث تلاشت عصبية قريش .

       وبعده جاءت زناته فاتخذت لقب أمير المؤمنين أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن ، ثم نزع المتأخرون منهم إلى لقب أمير المؤمنين .

                                    الفصل الثالث والثلاثون

            شرح إسم البابا البطرك لدى النصرانية وإسم الكوهن عند اليهود

تأثرا وإيمانا بثقافة الدولة الدينية القائمة على الاكراه فى الدين التى سيطرت على العصور الوسطى يرى ابن خلدون أن الملة لابد لها من قائم عند غيبة النبي يرغم الناس على أحكامها وشرائعها ، وهو  يخلف النبي في الذي جاء به من التكاليف الشرعية . ويحتاج المجتمع إلى ملك يرغمهم على العدل : والجهاد الإسلامي مشروع لإرغام الناس على الإسلام طوعا أو كرها ، لذلك اتخذت فيها الخلافة والملك لتحقيق ذلك .

     وما عدا ملة الإسلام لم تكن دعوة الملل الأخرى عامة ، ولم يكن الجهاد مشروعا إلا في الدفاع فقط ، فانفصل الدين عن السياسة ، وأقيم المُلك لديهم عرضا ولغرض غير ديني بحكم العصبية الطبيعية لطلب المُلك ، ولم يكونوا كالمسلمين مكلفين بالتغلب على الأمم الأخرى . بل كانوا مكلفين بإقامة دينهم داخلهم ، وهكذا بقى بنو إسرائيل بعد موسى ويوشع لا شأن لهم بالمُلك وإنما بإقامة الدين فقط ، وكان القائم بالدين عندهم يسمى الكوهن لأنه خليفة موسى فقط ، يقيم الصلاة والقربان ويشترط أن يكون من ذرية هارون لأن موسى لم يعقب ، ثم إختاروا لإقامة السياسة سبعين شيخا يتلون أحكامهم ، والكوهن أعظم رتبة في الدين . ولكنه كان أبعد عن شغب الحكام . وظلوا كذلك إلى أن قامت لهم شوكة وعصبية فغلبوا الكنعانيين وأقاموا لهم دولة ، ثم إنقسمت الدولة دولتين ، ثم غلبهم بختنصر . 

     وتتبعإبن خلدون ما حدث لليهود بعد السبي البابلي إلى نزول الإنجيل على عيسى ، وكتابة الأناجيل ، وأعمال الرسل ، وتأسيس المسيحية وإنقساماتها ووظيفة البطرك ، ونائبه أو الأسقف ، ثم القسيس الذي يقيم الصلاة لهم . ثم الراهب الذي يعتكف في الدير والصوامع .

     وعرض إبن خلدون لمجمع نيقيه في عهد قسطنطين والإختلافات بعد ذلك ، وكانوا يدعون البطرك بالأب تعظيما ، ثم سموه البابا أي أبو الأباء ، وظهر هذا اللقب أولا لبطركية هرقل بالإسكندرية ثم نقلوه إلى روما لأنها كرسيبطرس الرسول .

       وعرض إبن خلدون إلى تفرق المسيحية إلى ملكية ويعقوبية ونسطورية ، وطبقا لإيمانه بالثيوقراطية ( الدولة الدينية ) وحروبها الدينية يرى ابن خلدون أن المسيحين واليهود  كلهم كفار ، ولا سبيل أمامهم – حسبما يقول – إلا بالإسلام أو الجزية أو القتل . 

       وقال عن طوائف المسيحية في عصره ، أن بطرك روما على رأي الملكية ( الكاثوليكية ) وبطرك مصر على رأي اليعقوبية ( الأرثوذكسية ) وتتبعه الحبشة ويرسل لهم أساقفة ينوبون عنه . وقال إن بطرك روما اختص بلقب البابا ، وإن مسيحي مصر الأرثوذكس لايسمون بطركهم  بهذا اللقب (البابا) .

       وقال أن بابا روما يحض الفرنجة على الإنقياد لملك واحدا خوف تفرق الكلمة وطلبا للعصبية ، وحتى تكون سيطرته عليهم جميعا . وقال أنه يقوم بتتويج الملك الأوربي ويسمى ذلك الانبرذور (الأمبراطور ).

اجمالي القراءات 5806