الفصل الرابع : أثر التصوف في الذِكر فى مصر المملوكية
ج2 / ف 4 : وصف الرقص كعبادة دينية فى مصر المملوكية

آحمد صبحي منصور في الإثنين 16 مارس 2015

كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف 

الفصل الرابع : أثر التصوف في الذِكر فى مصر المملوكية

  وصف الرقص كعبادة دينية فى مصر المملوكية  

حكايات عن الرقص قبل العصر المملوكي :

1 ــ وفي الإحياء أقاصيص عن الرقص يظهر فيها أن الصوفية كانوا يرقصون لأى شيء وفي أى مكان وبلا سبب منطقي سوى أنهم إتخذوا دينهم لهوا ولعبا طبقا لدينهم الصوفى . يروي الغزالي أن بعض الشيوخ مر في السوق فسمع واحداً يقول : " الخيار عشرة بحبة ، فغلبه الوجد  فسئل عن ذلك ، فقال : إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار ".!!.. وكأنها نكتة..

واجتاز بعضهم السوق فسمع قائلاً يقول يا سعتريري،  فغلبه الوجد فقيل له على ماذا كان وجدك؟ فقال سمعته كان يقول : إسمع تربري. وسمع أعجمي بعضهم ينشد: وما زارني في الليل إلا خياله.. فتواجد، فسئل فقال أنه يقول : مازاريم وهوكا . فإن لفظ زار يدل على المشرف على الهلاك فتوهم أنه يقول  كلنا مشرفون على الهلاك[1].

   وفي اجتماعات الصوفية كان أى بيت من الشعر كفيلاً بأن يجعلهم يتراقصون، فقد أنشد بعضهم:

       واقف في الماء عطشان  ...     ولكن ليس يُسقى ..

    فقام القوم وتواجدوا [2]. وكان النوري في مجلس في دعوى فجرى بينهم مسألة في العلم والنوري

ساكت ،ثم رفع رأسه وأنشدهم :

       رب ورقاء هفوف في الضحى     ذات شجون صدحت في فنى

       ذكرت إلفُاً ودهراً صالحاً    وبكت حزناً فهاجت حزني

       فبكائى ربما أرقها         وبكاها    ربما   أرقني

     ولقد أشكوا فما أفهمها    ولقد  أشكو فما   تفهمني

    غير أني بالجوى أعرفها    وهى أيضاً بالجوى تعرفني

   يقول الغزالي " فما بقى أحد من القوم  إلا قام وتواجد، ولم يحصل هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه"[3].

ولكى يستدر الغزالي عطف القارىءعلى هذا الرقص المستمر بسبب ودون سبب حكى هذه الأسطورة أن شاباً كان يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئاً من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يوماً إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ، فكان بعد ذلك يضبط نفسه، حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ولا يزعق، فحكى أنه إختنق يوماً لشدة ضبطه ، فشهق شهقة وتلفت نفسه" [4]. ,, وإذن فمن المسموح لهم أن يرقصوا ويتواجدوا خوفاً عليهم من الهلاك .

2 ــ   وقبيل العصر المملوكي كان الصوفي المصري ابن الفارض" إذا سمع موعظة تواجد وغاب عن الوجود، وربما نزع ثيابه وألقاها وسمع قصاراً يقول : قطع قلبي هذا المقطع .. فما زال يصرخ ويبكي حتى ظن الحاضرون أنه مات "[5].

وحكى أنه كان ماشياً بالقاهرة " فمر على جماعة من الجرسية ( أى يحملون الجرس يدقون عليه ) يضربون بالناقوس ويغنون بهذين البيتين:

مولاى سهرنا نبتغي منك وصال    مولاى فلم تسمح فبتنا بخيال

مولاى فلم بطرف فلا شك بأن    ما نحن إذا عندك مولاى ببال

وهما من الشعر العامي الردىء ، ولكن يقول ابن الزيات راوى الحكاية" فلما سمع الشيخ صرخ صرخة عظيمة، ورقص في وسط السوق ورقص معه أناس كثيرون، وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم على الأرض ، وخلع الشيخ كل ما كان عليه ورمى به إليهم ، وخلع الناس ثيابهم ،  وحُمل إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس "[6]!! أليس الولى بهؤلاء مستشفى المجانين ؟ ..!!

السماع والرقص في العصر المملوكي

1 ــ  أصبح الرقص لازمة من لوازم التصوف وشعيرة دينية للصوفية،يقول عنهم الجويني إمام الحرمين وأستاذ الغزالي : (  ما شُغل هؤلاء إلا الأكل والشرب والرقص )" [7]، ويقول الغزالي معترضاً على خصومه الصوفية الذين إعتبرهم منافقين وممن ادعى التصوف أنهم تشبهوا بأولياء التصوف فى السماع والرقص : ( في زيهم وهيئتهم وفي ألفاظهم وآدابهم ومراسمهم وإصطلاحاتهم ، وفي أحوالهم الظاهرة في السماع والرقص ..)" [8].  وعشنا مع الغزالي وهو يُشَرِع السماع ويُقعِد الوجد والتصوف ، وحين بدأ العصر المملوكي بدأ معه التصوف العملي الذى طبق النظريات السابقة التى أرساها فلاسفة التصوف بدءاً من الجنيد إلى الغزالي إلى ابن عربي.

2 ــ   وبعض الإجتهادات الصوفية في مجال السماع استلهمت أفكار الغزالي ولم تضف إليها جديداً يُذكر، حتى ابن خلدون نفسه يقول فى المقدمة متأثراً بالغزالي: ( يعين الشيخ للمريد ذكراً يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول : الله الله الله أو لا إله إلا الله .. ولا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان ويبقى تخيلها، حتى يسقط أثر تخيلها على اللسان،وتبقى صورة اللفظ في القلب ، حتى تنمحي صورة اللفظ من القلب ، ويبقى معناه ملازماً حاضراً قد فرغ عن كل ما سواه..)" [9].

3 ــ  ولكن اجتهد صوفية العصر المملوكي في مجال التطبيق فتوسعوا في استعمال الشبابة وهى ما يعرف الآن بالمزمار البلدي ولأهميتها مع "الطار" أو الدف فقد وصفها ابن خلدون بقوله " الشبابة قصبة جوفاء بأنجاش في جوانبها معدودة، ينفخ فيها فتصوت فيخرج الصوت من جوفها على سدادة من تلك الأنجاش ، وتقطع الصوت بوضع الأصابع على تلك الأنجاش ، وضعاً متعارف حتى تحدث النسب بين تلك الأصوات" [10].

وصف السماع والرقص :

1 ــ  وأصبحت حفلات السماع  الصوفية من معالم الحياة الاجتماعية في العصر المملوكي دليلاً على تأثر المجتمع بدين التصوف، يقول ابن الحاج يصف بعضها : ( إجتماعهم حلقات ، كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة ، والذاكر منهم في الغالب لا يقول لا إله إلا الله  بل يقول لا يلاه يلل، فيجعلون عوض الهمزة ياء وهى ألف قطع جعلوها وصلاً ، وإذا قالوا سبحان الله يحططونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم" أى يحولون شهادة الإسلام إلى غناء . ويقول " وفي الجامع الأعظم يجتمع النساء والرجال في تلك الليلة الشريفة – 27 رجب – مختلطين بالليل مع خروجهن من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي" [11].

 2 ــ   ويصف ابن الحاج هيئة المنشد الصوفي: (  والمغني إذا غني تجد له من الهيبة والوقار وحُسن الهيئة والسمت، ويقتدي به أهل الإشارات والعبارات والعلوم والخبرات كلهم يسكت له وينصت . ).  ثم يتحدث عن هيئته حين ينهمك ويغني ويدخل فى ( الوجد ): (  فإذا دب معه الطرب قليلا حرّك رأسه كما يفعل أهل الخمرة سواء بسواء .. ثم إذا تمكن منه الطرب ذهب حياؤه ووقاره كما سبق في الخمرة ، فيقوم ، ويرقص ، ويعيط ، وينادي ، ويبكي ، ويتباكي ، ويتخشع ، ويدخل ، ويخرج ، ويبسط يده ، ويرفع رأسه نحو السماء كأنه جاءه المدد منها، ويخرج الرغوة أى الزبد من فيه، وربما مزق بعض ثيابه ، وعبث بلحيته ، فخرج بذلك عن حد العقلاء ، ويزعم أنه سلب عقله ، ولو صدق في دعواه لبقي علي تلك الحالة مدة طويلة ، لكنه يسكت سكوت المغني ، ويرجع إلي هيئته ويلبس ثيابه) "[12].

3 ــ ويقول ابن الحاج أن الغالب علي الصوفية في عصره حضور السماع والرقص فيه: ( حتي كأن ذلك شرط السلوك ، وبعضهم يدعي أنه يفتح عليهم في حال رقصهم ، وتأخذهم الأحوال. ) . ولأنه رقص ديني كانوا يمارسونه في دور العبادة يقول ابن الحاج: ( وبعضهم يتعاطي السماع في المسجد ، ويرقصون فيه ، وكذلك يفعلونه في الرُّبط )(جمع رباط) والمدارس"[13].

4 ــ   ويصف ابن الحاج كيفية الرقص الدينى في عصره: ( والرقص بضرب الأرض بالأقدام ، أو بالأكمام عند سماع الأصوات الحسان من المُرد والنسوان. ).  ومعناه أن بعض المنشدين كانوا من النساء والصبيان والشباب والمردان المفوم إتخاذهم للشذوذ الجنسى ( ولا يزال هذا سائدا فى أفغانستان ).

ويقول ابن الحاج عن الآلات الموسيقية في ذلك الرقص الديني: (  وضرب الكار والشبابة ، ويسجد الفقير ( الصوفى ) للشيخ حين قيامه للرقص وبعده كعادة في السماع [14]. . وذلك يصلنا بما سبقت الإشارة إليها من تحول السماع في العصر المملوكي إلى عبادة للشيخ. وهذا الرقص لا يزال مُتّبعا حتى الآن فى بعض بلدان المحمديين الصوفية .

5 ـ وطبقا لما أورده الشعرانى ، فقد كان لأشياخ التصوف في العصر المملوكي حريتهم في إبتداع ما يشاءون في الذكر والرقص ، ومن قواعد الصوفية أن المسلوب أو المجذوب عند السماع : (  مع ما يرد عليه من الأسرار، فقد يجري على لسانه الله الله الله ، أو هو هو هو ، لا لا لا ، أو آه آه آه ، أو عا عا عا عا عا ، آ آ آ آ ، هـ هـ هـ هـ أو ها ها ها  أو صوت يغير حرف أو تخبيط )  [15]. يعني يغني ويصرخ بأى كيفية حتى لو قلد الحيوانات أو النساء .

    ويذكر العيني في ترجمة  أحمد بن أبو الوفا ت  814 أنه " كان يذكر مع طائفته عقيب كل صلاة بذكر ابتدعه هو ووالده من قبله"  [16]. أى تميز بطريقته  الصوفية بلحن خاص ورقص معين . ومثله شمس الدين الحنفى الذى كان "إذا ركب يذكر الله بين يده جماعة كطريقة مشايخ العجم ، وكان يجعل من حلقة جماعة كذلك ، يذكرون الله تعالى بالتوبة ،ويقول: هو شعارنا فى الدين ويوم القيامة ، وكان الناس إذا سمعوا حسهم من المساجد أو الدور يخرجون ينظرون إليهم"[17].  أى لم يكتفوا بالمؤسسات الدينية وإنما كانوا يطوفون بالشوارع راقصين ولا يزال ذلك سائداً حتى الآن فى مناسبات الموالد. ويقول الشعرانى عن الحنفى "وكان سيدى محمد يأمر أصحابه برفع الصوت بالذكر فى الأسواق والشوارع والمواضع الخربة المهجورة " [18].

   واستمرت حلقات الذكر بالسماع الصوفى وملحقاته من وجد ورقص ، يقول كلوت بك فى العصر العثمانى: ( ومن أغرب حفلاتهم حفلة الذكر ،الذى يتلخص فى تكرارهم لفظ الجلالة مع تحريك الرأس والجسم تحريكاً متصلاًغير منقطع،وهذه الحركات المترادفة تؤثر فيهم فلا يلبثون أن يقعوا على الأرض ،وفى هذه الأثناء التى يبلغ الهياج في نفوسهم أثناءها مبلغه الأقصى ويرون فيه الدليل المحسوس على ولايتهم يعتدون على بعضهم البعض بصنوف الأذى والتمثيل،وربما نجم عن أفعالهم موت البعض منهم فيذهب فريسة الجهل والضلال"[19]. أى كان يبلغ الوجد به درجة الإقتتال.

 



[1]
الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[2] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[3] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[4] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[5] تحفة الأحباب 435 .

[6] الكواكب السيارة 300 .

[7] روض الرياحين 14 .

[8] إحياء جـ3/ 344 .

[9] شفاء السائل 40 .

[10] المقدمة 423 .

[11] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154 .

[12] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[13] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[14] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[15] الشعرانى قواعد الصوفية جـ1/ 39 .

[16] عقد الجمان . وفيات 814 لوحة 345 .

[17] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 90 .

[18] الوصية المتبولية 181 .

[19] لمحة عامة إلى مصر جـ2/ 87 .

اجمالي القراءات 4897