رقم ( 3 )
الفصل الثاني- ((ماذا يحدث لحظة الموت))

  الفصل الثاني
ماذا يحدث لحظة الموت
*
على بوابةالموت .
*
بين عالمين.
*
الجسد وغفلة الإنسان في حياته .
*
الموت نهاية اختبار الحياة .
*
الموت هل هو خروج النفس أو خروج الروح .
*
هل هناك ألم عند الموت .
*
بين النوم والموت .
*
أحلام النائم في البرزخ وأحلام الميت المحتضر .
*
تذوق الموت .
*
حوارالملائكة مع الميت .
ماذا يحدث لحظة الموت ؟
على فراش الموت
على بوابة الموت :
الذين اقتربوا من بوابة الموت ثم لم يدخلوها في ذلك الوقت وعاشوا بعدها اجمعوا في رواياتهم على وصف متشابه ، كل منهم كان على شفاالموت ودخل في إغمائة ولأن أجله لم يأت فقد تم إنقاذه قبيل لحظة الصفر ، قبيل أن يدخل بوابة الموت الغامضة .. في رواياتهم عن تلك التجربة الهائلة كان أحدهم يحسب نفسه يرتفع رويداً تاركاً جسده المسجى على السرير وحوله الناس ، وهو يتعجب ممايراه ، وبعضهم يصف مبهوراً ذلك العالم الذي اقترب منه, عالم مليء بالألوان والتموجات التي يستطيع وصفها وكان سعيداً بما يراه , ثم تحولت سعادته إلى حزن حين عاد يتقمص جسده ، وعاد للحياة العادية .
وبالطبع فإن أولئك الذين دخلوا بالفعل بوابة الموت لم تأتهم الفرصة ليتحدثوا عنها ، ولو تحدثوا لرووا حديثهم مع ملائكة الموت . فالقرآن الكريم فصل ذلك الحوار الذي لابد أن يجرى بين المحتضرعلى فراش الموت وبين رسل الله من ملائكة الموت هذا بينما الناس حول فراش المحتضر لايرون شيئاً ولا يسمعون شيئاً, في هذه اللحظة يكون الإنسان أسيراً بين الملائكة ،وحول أهله وأحباؤه لا يستطيعون شيئاً .
يقول تعالى يصف هذه اللحظةالهائلة : " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِالْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَمَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (الواقعة 83 : 87
ملائكة الموت أقرب إلى الميت من أهله المحيطين به ، في حقيقة الأمر هم يحيطون بجسد الميت الذي بدأت النفس _ أو الكائن الحقيقي الذي يمثل الإنسان _ تنخلع منه, كما يترك أحدنا معطفه البالي .
أهل البيت لا يزالون في العالم المادي يرون فقط الجسد المادي المسجى أمامهم على فراش الموت ، أما نفس الميت , فقد قطعت علاقتها بالجسد وبدأت تدخل عالم البرزخ أصبحت ترى على الحقيقة عالم البرزخ العالم الأثيري وتخاطب الملائكة في حوار سنعرض له فيما بعد .
أهل الميت لا يرون الملائكة أو نفس الميت لحظة دخولها العالم الأثيري والسبب أننا طالما ظللنا سجناء في هذا الجسد المادي وفى هذا العالم المادي فلا يمكن أن نرى العوالم الأخرى الأثيرية التي تتداخل في عالمنا وفى نفس المكان.
بين عالمين :
الثابت علمياً أن ذرات المادة الأرضية تدور بسرعةتتراوح بين 400 ألف مليون دورة إلى 750 ألف مليون دورة في الثانية الواحدة ، أماذرات العالم العلوي الأثيري فإنها أسرع دوراناً وبهذا تخرج عن المستوى الاهتزازي لعالمنا المادي ولا نستطيع أن نراها ، ومن العالم غير المرئي لنا الجن والشياطين والملائكة والنفس البشرية بعد الموت وفى حالة النوم . وقد دل علم الميكانيكيةالموجية على أن الأساس في تداخل الأجساد أو عدم تداخلها يرجع إلى اختلاف المستوىالاهتزازي لهذه الأجساد أو تطابقه . فإذا كان المستوى الاهتزازي واحداً لإنتمائهماإلى نفس العالم فإن تداخلها يكون مستحيلاً ، فالإنسان بجسده الأرضي لا يستطيع أن يخترق الجدران لأن مجال المستوى الاهتزازي بينها واحد . أما إذا أختلف المجالان فإن التداخل يكون طبيعياً ، وعلى ذلك فإن وجود جسمين " أحدهما أرضى والآخر سماوي " متداخلين وشاغلين مكاناً واحداً في آن واحد يعتبر ظاهرة طبيعية يؤيدها العلم . وجهاز الراديو أبرز مثال لذلك ، فالكون ممتلىء بموجات لاسلكية تخترق الجدران وهى في نفس الوقت متداخلة لا يحس بعضها ببعض ولا يؤثر بعضها على بعض ، وكلها تتخلل جهازالراديو ، فإذا استقر مفتاح الراديو على موجة معينة التقطها دون أن يعوقه وجود موجةأخرى في نفس المكان ذات اهتزاز أو ذبذبة مختلفة.
الإنسان إذاً يعيش في عالمين متداخلين ولكل منهما مستوى اهتزازي يغاير الآخر . ويتداخل الجسمان " الجسد الأرضي والنفس البرزخية " ، والموت هو انفصال النفس نهائياً عن ذلك الجسد المادي وكل عوالم المادة التي نراها الآن بعيوننا . والعين البشرية لا ترى كل شيء يقع في مجال الرؤية أمامها ،
يقول تعالى : " فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)" الحاقة 38 : 39

لا ترى الملائكةالتي تكتب على الإنسان أعماله ، وهما ملكان عن اليمين والشمال
" ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَاتُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُالْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) " ق 16 : 22
يوم القيامة يتحول الملكان إلى سائق وشهيد يمسكان بتلابيب كل إنسان صحباه في حياته الدنيا .. كان لا يراهما لأنهما من مستوى اهتزازي يخالف العالم المادي .. ولكن يوم القيامة يتخلص من ذلك الجسد المادي وذلك العالم المادي ويستطيع وقتها أن يرى الملائكة وأن ينظر إلى هذين الملكين وهما يصطحبانه إلى مصيره الموعود: " لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَغِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ "
الجسد وغفلة الإنسان في حياته الدنيا
الجسد هو الغطاء الذي يسيطر على الإنسان فينسيه الهدف من حياته ، يظل غطاء الجسد الكثيف جاثماً على الإنسان يلهيه بالغرائز والشهوات والطموحات حتى يستيقظ فجأة على جرس الموت ، وإذ بالجسد الذي صلى في محرابه طيلةحياته قد تحول إلى منزل خرب، وأنه قد آن له أن يستقبل عالماً جديداً نسي أن يعد لهالعدة ، يعرف الإنسان فجأة أنه كان في حياته في وفى بداية النهضة العلمية اعتقد بعضهم بعدم وجود ما يخرج عن نطاق الحس والمشاهدة، وكان ذلك نتيجة طبيعية للتمرد على الكنيسة وعوالم الميتافيزيقا أو السمعيات الت يتوجد في كل الأديان ، من أحاديث عن الجن والملائكة ، والغيبيات وحين تقدم العلم لم يستطع إنكار وجود الظواهر غير المادية .. بل استطاع توظيفها واستخدامها مثل الطاقةالكهربائية والمغناطيسية ثم القوة الذرية فيما بعد .. وكانت النظرية النسبية أكبرتتويج يربط بين عالم المادة وعالم الطاقة وقد أثرى عالم الذرة وتطبيقاتها الهائلة .

وأصبح من السهل إقناع العقل البشرى بأن العالم غير المرئي أكثر قوةمن العالم المادي ، فذلك ما يستطيع التحقق منه حين يلمس سلكاً مكهرباً ، أو حين يتذكر كيف تأتى الموجات اللاسلكية والكهرومغناطيسية عبر آلاف الأميال لتلتقطهاالأجهزة في غرف محكمة الإغلاق ، أو حين يعرف أن الثقب الأسود في الفضاء أكبر قوة من النجم قبل أن يتفتت ويتحول إلى ثقب هائل القوة ، وبالمشاهدة العادية يعرف الإنسان أن مروحة الطائرة إذا أشتد دورانها أصبح من العسير رؤيتها ، وبالتالي فإن نظريةالاهتزاز التي أشرت إليها يمكن قبولها عقلياً .

وكلها معطيات كفيلةبأن تجعل الإنسان في عصر العلم يثوب من غفلته ويؤمن بأنه محاط بكائنات علوية تحصى عليه أنفاسه وتحتفظ بتقارير عن كل أفعاله ، وأن حديث القرآن عن مستقبل الإنسان وماسيحدث له في الموت وفى البرزخ وفى يوم الدين ، من المقولات التي يؤيدها العلم الحديث الذي يقترب أكثر من الإيمان كلما تعمق في البحث في عظمة الخالق جل وعلا ،ذلك ما ينبغي أن يكون.

ولكن ما هو كائن فعلاً أن الإنسان يظل أسير جسده أو غطائه المادي الذي يحجب عنهالحقيقة إلى أن يستيقظ لحظة الموت ، والله تعالى لا يقبل توبة اثنين أولهما ذلك المؤمن الذي أدمن المعصية ونسى التوبة وظل كذلك إلى أن أدركه الموت فصرخ أمام الملائكة يطلب العفو دون جدوى ، وثانيهما الكافر الذي أشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً وظل على كفره ، حتى الموت . يقول تعالى : " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌأُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) " النساء 18
يبدأ الإنسان طفلاً بريئاً على الفطرة يطرح أسئلة غاية في الأهميةعن الله والحياة والكون ، ثم لا يلبث جسده أن ينمو , ويصرخ طالباً إشباع غرائزه فينسى الإنسان التساؤلات الهامة عن الهدف من وجوده في هذه الحياة ويظل خادماً لجسده ساعياً في إرضاء غرائزه ، وتصيبه أمراض أو تقع له حوادث تكون مؤشراً له كي يفيق من غفلته ، وقد يفيق في أثناء الأزمة والمرض ولكن بعودة جسمه إلى العافية يعود إلى غفلته .
"
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوإِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ " الزمر 8

الموت نهاية اختبار الحياة
طالما ظل الإنسان على وجه الأرض حياًيسعى فكتاب أعماله مفتوح تسجل فيه الحسنة والسيئة ، وكل ما يطير عنه من أعمال تظ لمعلقة في عنقه

"
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " الإسراء 13

"
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىوَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) " يس 12
وعند لحظة الموت يوفى الإنسان أعماله حيث يقفل كتاب أعماله وتتحدد درجته إما مسلم ناجح أو خاسر ، وليس هناك وسطية . وفى هذه اللحظة لا يستطيع الإنسان أن يزيد في أعماله الحسنة ولا تجدي توبته عن أعماله السيئة . ومن هنا يكون الإنسان أحد شخصين أولهما :
إما مؤمن صحيح الإيمان عمل الصالحات وخاف مقام ربه فأكثر من التوبة فاستحق عند الموت أن يكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين يصفهم القرآن بأنهم كانوامؤمنين متقين لذا يستحقون أن تأتيهم الملائكة تبشرهم لحظة الموت - وهى لحظة تقع علىمفترق الطريق بين الدنيا والآخرة .. وفى ذلك يقول تعالى :
"
أَلَاإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِالدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ " يونس 62 : 64
 
لحظة الموت تحديداً لنهاية اختبار الحياة سواء نجح الإنسان في ذلك الاختبار أو فشلفيه .. يقول تعالى : عن الخاسرين في هذا الاختبار :

"
إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) " البقرة 161

فهم كفروا وظلوا على كفرهم إلى أن ماتوا .. ويتردد هذا المعنى بصورمختلفة في القرآن :

"
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا " آل عمران 91

أي مهما حاول أن يفتدي نفسه لحظة الموت فلن ينفعه ذلك :

"
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)" محمد 34
ويقول تعالى للمؤمنين:
" وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) " البقرة 217

فالمؤمنون إذا ارتدوا وماتواعلى الكفر فقد أضاعوا أعمالهم الصالحة واستحقوا الخلود في النار . والآيات كلهاتؤكد على كلمة " ماتوا وهم كفار " وفى المقابل يوصى القرآن المؤمنين بأن يظلوا علىإسلامهم حتى الموت : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوااللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) " آل عمران 102
وقمة الإيمان أن يظل الإنسان مسلماً وجهه وجوارحه حتىلحظة الموت . وبذلك أوصى إبراهيم بنيه ثم يعقوب :

"
وَوَصَّى بِهَاإِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) " البقرة 132وبذلك دعا يوسف ربه قائلاً : " تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ " يوسف 101
وبذلك يدعو الله المؤمنين :

"
فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاوَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ " آل عمران 193 
 
رَبَّنَا أَفْرِغْعَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ -الأعراف 126
الموت هل هو خروج " النفس " أم خروج " الروح "

الشائع في اعتقاد الناس أن الإنسان يتكون من روح وجسد ، وأن الروح هى ما يخرج من الإنسان عند الموت . وذلك خطأ شائع ، فالإنسان يتكون من نفس وجسد والنفس هى ما يخرج من الإنسان عند الموت .

والقرآن يتحدث عن النفس في كل ما يخص الإنسان من بدايته إلى نهايته، ففي بداية الخلق :

"
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ " الأنعام 98

"
يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْمِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " النساء 1
وفىالدنيا :
"
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَفَعَلَيْهَا " فصلت 46

وعند الموت

 
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا " الزمر 42

وعند البعث

 
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ " ق 21
وعند الحساب :
" يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَاوَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " النحل 111
أما " الروح " " أو النفخة الإلهية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَابَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَتَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًازَكِيًّا " مريم 17 : 19
"
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَافَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا " الأنبياء 91
وعن تلك المشابهة بين عيسى وآدم يقول تعالى : " إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "آل عمران 59
ولأن عيسى يتميز عن باقي البشر بتلك الخصوصية فقد اكتسب أيضاً لقب الروح والكلمةيقول تعالى : " إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ " النساء 191

والوظيفة الثانية للروح أو جبريل هي النزول بالوحي على الأنبياءيقول تعالى : " يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْيَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" النحل 2
"
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" غافر 15

ونزل جبريل بالقرآن : " قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىقَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ "البقرة 97

"
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُالْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍعَرَبِيٍّ مُبِينٍ " الشعراء 193 : 195

ولذلك اكتسب القرآن لقب الروح نظراً لصلته بجبريل روح الله ، يقول تعالى عن القرآن : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا " الشورى 52

وإذاً لاشأن للروح بتلك النفس التي في داخلنا .. فالأصح أن نقول خرجت نفسه لا أن تقول " طلعت روحه"
هل هناك ألم عند الموت ؟
وتأتى معظم مخاوفنا من الموت من تخيل ما يحدث خلاله من تألم المتوفى ، ويزداد رعبنا حين يكون الموت قتلاً أو إعداماً . والعادة أننا نركز في مشاعرنا على ما نراه مرتسماً على وجه الميت أو ما يحدث لجسده في الموت أو القتل . وبوجه عام فإن للجسد البشرى حدوداً في تحمل الألم وحدوداً فيتذوق اللذة ، وإذا تعود على اللذات فقد الإحساس بها ثم عجز عن الاستمرار فيها ،وإذا وصل إحساسه بالألم إلى فوق المدى المحدد له دخل في إغماء لا يحس معه بذلك الألم الذي يتخطى طاقة احتماله .
وعند دخول بوابة الموت تكون النفس قد بدأت في قطع العلاقات مع ذلك الجسد الذي لم يعد صالحاً لبقائها فيه إما لأن المرض افترسه والألم المتكرر أنهكه بحيث لم يعد صالحاً للاستمرار ، وإما لأن حادثاًمفاجئاً أفقده القدرة على الاستمرار في وظائفه الحيوية .. وبتحول النفس عن ذلك الجسد يفقد الجسد الإحساس بما يجرى حوله أو بما يجرى فيه .. لأن الإحساس مرتبط بحياة النفس وهى الآن على وشك الرحيل إلى عالمها الأصلي عالم البرزخ الذي أتت منه والذي تعودت أن تستريح كل ليلة بالعودة إليه حين يتعب الجسد وينام ، ثم هي ستعودإلى ذلك البرزخ نهائياً لتستقر فيه إلى يوم البعث .
ولم  يعد إحساس المتوفى لحظة الموت مرتبطاً بالجسد الذي تعطلت أجهزته ، وإنما أصبح إحساس المحتضر مرتبطاً بنفسه التي تدخل تجربة جديدة هي قطع صلاتها نهائيا بذلك الجسد ، فهو أقرب إلى تجربة الحلم المزعج أو الحلم المفرح الذي يحس به النائم لأن أوجه الشبه كثيرة بين النوم والموت
بين النوم والموت :
في تجربة علمية فريدة 1988أثبتت جامعة كاليفورنيا أن الإنسان يموت كل 90 ثانية أثناء نومه ولقد سبق القرآن إلى تقرير الصلة بين الموت والنوم وبين برزخ النائم وبين برزخ الميت . فالقرآن يعتبر النوم موتاً متقطعاً في قوله تعالى : " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " الزمر 42
وتخيل أن هناك شخصين ينامان معاً على وسادة واحدة ، وقد توفى الله نفسيهما أمسك بالأولى نهائياً لأن صاحبها مات ، أما النفس الأخرى فقد أرسلها إلى صاحبها في الصباح وأستيقظ .. ومن المعروف علمياً أن عين النائم تدور في مقلتها في أثناء النوم ، وذلك نفس ما يحدث عند لحظة الموت يقول تعالى : " تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ " الأحزاب 19
والفارق بسيط بين النائم وبين المغمى عليه ويقول تعالى يصف ملمحاً من ملامح الموت " يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ " محمد 20
إذا فالنوم إغماء للجسد ودخول للنفس فى عالم البرزخ كالنوم تماماً .ويقول تعالى عن الموت أيضا (وجاءت سكرة الموت بالحق) ق 19 .إذا للموت سكرة يكون فيها المحتضر مشغولا عن جسده والمحيطين به والعالم المادى كله بالعالم الآخر الذى دخل فيه بنفسه .ومن الثابت علمياً أن الإنسان فى نومه العميق يفقد الإحساس بمن حوله ولا يسمع شيئاً وتزول هذه الحالة تدريجياً وتعود تدريجياً ،وليل النائم دورات متلاحقة من النوم العميق (الموت) والنوم الخفيف .وفى قصة أهل الكهف أتى القرآن ببعض الحقائق العلمية عن النوم ،منها ضرورة أن ينقلب النائم فى فراشه ذات اليمين وذات الشمال ليحمى جسده من البثور والدمامل جراء النوم الطويل على موضع واحد من الجسد .فقال عن كيفية نوم أهل الكهف (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال - ) الكهف 18
وهذا هو الفارق بين النوم والموت الحقيقي . ولقد كان أولئك في نوم حقيقي فقدوافيه الإحساس بما حولهم يقول تعالى : " فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِسِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ " الكهف 11 : 12

االميت بالطبع لا يسمع ، والقرآن يصف المشرك الذي لا يستجيب للحق بأنه أصم ميت:
"
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) " النمل
"
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْامُدْبِرِينَ " الروم 52
فهذه صلة أخرى بين الموت والنوم ، إذا يفقدالإنسان فيه حاسة السمع والإحساس بما حوله . ليس هناك ألم جسدي في لحظة الموت ، تماماً كما يحدث في النوم أو الإغماء أو السكرة ، ومن المتعارف عليه أن المريض الذي يعانى من ألم شديد أو يدخل في عملية جراحية لابد أن يخدر أي يدخل في إغماء أو سكرة ليفقد الإحساس بالألم الجسدي . لا داعي على الإطلاق للمبالغة في وصف سكرة الموت وما فيها من آلام ، إنها مجرد نوم عميق يتم فيه قطع الصلة نهائياً بين النفس والجسد .. وكما يكون النوم راحة للجسد المتعب المنهك كذلك يكون الموت راحةللجسد المريض الذي فقد قدرته على الألم والاستمرار في الحياة .
حين يستيقظ الإنسان من نومه في الصباح تكون ملامح وجهه أقرب للميت ، وحتى يعود الوجه إلى نضارته وحيويته لابد من أن يغسل بالماء الذي هو سر الحياة .
وإذا كنا نموت كل ليلة ثم نبعث كل صباح ، فلا داعي للخوف من الموت النهائي.
أحلام النائم في البرزخ وأحلام الميت المحتضر :

أن تكون نفسك سجينة في الجسد معناه أن تكون تحت سيطرة الزمن . الزمن هو البعد الرابع الذي يكمل ا لأضلاع الثلاثة لأي جرم مادي . والنفس عالم أثيري إذا تركت الجسد في حالة النوم تحررت من ربقة الزمن أيضاً حيث لا زمن في عالم الأثير أو البرزخ . هناك لا فرق بين الماضي والحاضر والمستقبل . وبينما يكون هناك زمن ماضي أو مستقبل أمام الإنسان بجسده المادي فإن النفس إذا دخلت عالم البرزخ ربما شهدت حدثاً يستغرق سنوات في عالم المادة بينما تشهده النفس في برزخها ساعة النوم أو في أول ثانية . وربما تشهد النفس في برزخها حدثاً سيقع في المستقبل وهو في عالم البرزخ مجرد حدث بلا زمن ، وهنا تأتىالأحلام عادة بأشياء تحدث في المستقبل .. وبسبب اختلاف العالم الأرضي عن عالم البرزخ ، وبسبب التشويش الآتي من اللاشعور وعادة النسيان فإن الأحلام عادة ما تأتىبصورة رمزية ، وأكثرها بالطبع مجرد أضغاث أحلام ، وأقلها ما يكون رمزاً لأشياء تحدثفي المستقبل فعلاً .
والقرآن الكريم الذي ما فرط في شيء أتى بالحقائق الثابتة عن الأحلام والمنامات من خلال قصة يوسف ومنها أن بعض الأحلام تشي بالمستقبل وتخبر عنه ولكن لا يلزم أن يكون صاحب المنام من الصالحين كما يعتقد بعضهم، إذ أن يوسف رأى مناماً وهو طفل وقد تحقق بالفعل فيما بعد ، ويوسف هو من نعرف صلاحاً وتقوى ولكن رأى الرؤية الصادقة أيضاً أناس مشركون مثل صاحبي يوسف في السجن وقد كان يدعوهما للإيمان بالله وحده قبيل أن يؤول لهما الرؤية التي تحققت بالفعل لكل منهما . والملك الذي لم يكن مؤمناً رأى . رؤياه عن المجاعة وحدثت بالفعل وتحسب لها الملك وعين يوسف أميناً على خزائن مصر.
ويلاحظ أن تلك الرؤى جاءت في صورة رمزية ، فمثلاً يوسف رأى أحد عشر كوكباًوالشمس والقمر يسجدون له وكان تحقيقها أن إخوة يوسف ووالديه سجدوا له حين جاءالجميع إلى مصر . يوسف 6 ، 100
وصاحبا يوسف في السجن أحدهما رأىأنه يعصر خمراً وكان التأويل أنه سيكون ساقياً للملك وسينجو من السجن ورأى الآخرأنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه وكان التأويل أنه سيموت مصلوباً " يوسف 36، 41 " والملك رأى سبع بقرات نحيفات يأكلن سبع بقرات سمينات ورأى سبع سنابل يابسات وسبع سنابل خضراً وكان التأويل والذي حدث فعلاً هو مجيء سبع سنين من الرخاء ثم مجيءسبع سنين من المجاعة يوسف 43 : 47 : 94
تذوق الموت
بعض الناس يرى كابوساً من الأحلام المزعجة يتمنىالخلاص منه باليقظة ، وربما يكون جسده في راحة بالنوم ولكن نفسه تتمزق بذلك الحلم المزعج ، وربما تظل ذكرى ذلك الحلم عالقة بالذاكرة الحية مؤثرة على مزاج صاحبهالعدة أيام ، وربما تجد طريقها إلى قاع اللاشعور وتسبب آلاما نفسية يحتار فيها الطب النفسي في هذه الحالة نقول أن النفس " ذاقت " الألم . لا الجسد ..

بعضنا يرى حلماً وردياً تظل آثاره المبهجة تسرىفي كيانه ، وتطفو إلى سطح الذاكرة بين حين وآخر .. وفى هذه الحالة أيضاً نقول أن النفس ذاقت السعادة . وليس الجسد ..

وعلى نفس النسق فالنفس هي التي " تذوق " الموت بالضبط كما تذوق الوفاة عند النوم ، في ثلاثآيات من القرآن الكريم فيقول تعالىكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُالْمَوْتِ "

آل عمران 185 ، والأنبياء 35 ، العنكبوت 57
والقرآن حين هددالرسول قال له (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا)الإسراء 75- إذا تذوق الموت يمكن ان يتضاعف سواء كان ألماً أو كان سرورا حسب الظروف
حوار الملائكة مع الميت .
عندما يدخل الميت بوابة الموت فعلاً يتحرر من سيطرة الزمن والعالم المادى ويدخل عالم البرزخ وهو فى كامل إدراكه وقواه العقلية -وليس فى حالة نوم أو موت جزئ- وساعتها يكون الفزع قد بلغ عنده مداه خصوصا وهو يدرك الآن أنه لم يكن مستعدا لدخول ذلك العالم بما ينبغى الإستعدادله ومهما بلغت درجة تقواه فى الدنيا فإن فزعه من شريط حياته الذى يراه يمر أمامه فى لحظة تعدل الحياة كلها يجعله فى حالة خوف وحزن.وبالطبع فإن العاصى والمشرك يكون حالة أسوأ ويكون موقف الملائكة ملائكة الإحتضار معه أشد .وحتى لا ترثى لحالهم مقدما علينا أن نتذكرأن بعضهم يسخر من الحديث عن الملائكة بل والقصة بأكملها لديه مجرد أساطير .ويظل سائراً فى شهواته وإستهزائه إلى أن يأتيه الموت فيكون شعوره بالندم وهو أسير الموت أفظع من تبكيت الملائكة له .وفى النهاية فالموت هو (اليقين فى تعبير القرآن) (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) وعند الموت يتيقن الإنسان من كل شىء حق.
والبشر على فراش الموت يكونون على ثلاثة أقسام ، قسمان في الجنة وقسم في النار وعلى أساس درجة كل منهم تكون نوعية حوار الملائكة معه . ولتقرأ هذه الآيات التي تصف لحظة الاحتضار " فلولا إذا بلغت الحلقوم " أي حين تشرف النفس على أن تنفصل عن أغلال الجسد وتنقطع الأواصر بينها وبينه " وأنتم حينئذتنظرون " أي وأنتم تحيطون بفراش الميت وتنظرون له وهو يعالج سكرات الموت " ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون " أي أن الله بقدرته وملائكة الموت الذين أرسلهم الله لقبض نفسه تسيطر عليه وعلى نفسه مهما كان قربكم من جسده فأنتم أبعد ما تكونون عن نفسه التي هي بين قبضة الملائكة ، وأنتم لا تبصرون ذلك في عالمكم المادي " فلولاإن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ؟ " أي فإذا كنتم غير مقهورين وغيرموقنين أو مصدقين هل تستطيعون إرجاع النفس إلى الجسد وإنقاذ صاحبها من الموت ؟والإجابة على السؤال معروفة ، إذ إن أكثر الناس إلحاداً لا يستطيع دفع الموت عن نفسه أو عن أقرب الناس إليه ويكون في هذا الموقف راجياً رحمة ربه حيث لا طب يجدي ولا طبيب . وهنا يتعين على الميت الأسير بين يدي ملائكة الموت أن يعرف مصيره " فأماإن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم " أي إذا كان من أصحاب الدرجات العليا من الإيمان والتقوى فستكون لحظة الاحتضار عنده راحة وسعادة وتبشير بجنات نعيم " وأماإن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين " أي إن كان من الناجين من أهل اليمين فالملائكة تلقاه بالتسليم تقول له سلاماً سلاماً
" وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم " إن كان خاسراً كذب بآيات الله وقرآنه وضل في سلوكه وعقيدته فتبشره الملائكة بمستقره في جهنم وتعذيبه في الجحيم . ثم تقول الآية " إن هذا لهو حق اليقين " أي هو حق سيأتي الوقت ا لذي يكون أمام أعيننا يقيناً يتيقن الإنسان منه بنفسه ، وقد حملت الآية كل أساليب
حوار الملائكة مع المتقين عند الاحتضار
الذي قضى حياته مؤمناً متقياً طائعاً تقوم الملائكة بتهوين الموقف عليه فلا يخاف ولايحزن وتدخل نفسه إلى البرزخ وقد أطمأنت على مستقبلها يوم القيامة ، يقول تعالى :

"
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) "

النحل 32

"
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِين آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاوَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُالْعَظِيمُ (64) "
يونس 62 : 64
فأولياء الله هم المتصفون بالإيمان والتقوى بين  كل البشر والذين قضوا حياتهم في إيمان حقيقي وخوف من الله وعمل للصالحات ,أولئك الذين لا خوف عليهم ولا حزن في لحظة المفترق بين الدنيا والآخرة – في لحظة الاحتضارتتنزل عليهم الملائكة بالبشرى تهدىء من روعهم في هذه اللحظة العصيبة " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " أي طيلة حياتهم الدنيا " تتنزل عليهم الملائكة " أيحين الموت :

"
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَاتَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَاتَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍرَحِيمٍ (32) " فصلت 30 : 32
حوار الملائكة مع العصاة عند الموت
قد يكون أحدهم مسلماً بالعنوان فقط ولكنه أدمن المعصية ولم يعرف طريق التوبة وظل كذلك إلى أن جاءه الموت فصرخ حينئذ- حيث لا يسمعه أحد – إني تبت الآن ، وبالطبع فقد فات أوان التوبة :
"
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ " النساء 18
قد يكون أحدهم ظالماً لربه ولنفسه وللآخرين فيحاول عند الموت أن يتنصل من ذنوبه حين يرى شريط حياته يمر أمامه ، ولكن ذلك الإنكار والخضوع الوقتي لا يجدي شيئاً :
"
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاالسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَافَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) "
لنحل 28 : 29
وقد يكون أحدهم قد استهلك حياته في نسيان الطاعة فيصرخ عند الموت طالباً أن يرجع للحياة كي يعمل صالحاً ولكن ضاعت الفرصة وضاع معه مستقبله الحقيقي :
"
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّاإِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)" المؤمنون 99 : 100
وقد يكون أحدهم قد استغرقه جمع المال ونسى أن يعطىحق الله فيه فبخل واستغنى ، وهذا يتمنى عند الاحتضار أن يعطى فرصة دقائق معدودة لينفق أمواله في سبيل الله ولكن لا تأجيل ولا تأخير لموعد الموت ولذلك يحذرنا ربنامن ذلك المصير :
"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَارَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّلَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَاوَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) " المنافقون 9 : 11
وقد يكون أحدهم مسلماً ولكن تكاسل عن واجب الهجرةفي سبيل الله نجاة بدنية حين تكون الهجرة واجبة وأولئك يعتذرون لملائكة الموت بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض

"
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)

النساء 97
حوار الملائكة مع المشركين عند الموت
لا يقبل الله توبة الكافر عند الموت كما لا يقبل توبة العاصي الذي لم يعرف التوبة في حياته

 
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَاالَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
-النساء 18
والمشرك دائماً يكذب بآيات الله إيماناً منه بمعتقدات وأقاويل كاذبة ينسبها لله زوراً ، وحين الموت تسأله الملائكة عن أوليائه الذين أنفق عمره في الدفاع عنهم هل يغنون عنه من الله شيئاً 
 
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِاللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواكَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ " الأعراف 37 : 38
وهناك من المشركين من تخصص في الكذب على الله ورسوله أو ادعى أن الوحي يأتيه وأن الهاتف ا لإإلهي يناديه وأولئكم لهم معاملة خاصة عند الموت
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواأَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) " الأنعام 93

والملائكة تجري مع الكفرة المشركين حواراً من نوع آخر هو صفعهم على الوجوه وركلهم في أدبارهم يقول تعالى -" وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) " الأنفال 50

 
فَكَيْفَ إِذَاتَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " محمد 27

وذكر القرآن ما حدث لفرعون حين احتضاره غريقاً في مياه البحر الأحمر

"
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَفَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْل وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) " يونس 90 : 91

أعلن فرعون إسلامه حين الاحتضار بلا جدوى .. أين فرعون في ذلك الوقت منه حين جمع جموعه ليعلن أمامهم أنه ربهم الأعلى

"
فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) "

النازعات 23 : 25


 

 
كتاب كتاب الموت
عن حقائق الموت فى القرآن الكريم .
أحبتى
قبل أن تقرأ هذا الكتاب :
أولا :
1 ـ فى اوائل التسعينيات كنت أمر بأقسى فترة من الضنك والفقر و المتابعة الأمنية . قليل ممن حولى من أهل القرآن من كان يدرك ذلك ،فقد كان بيتى مفتوحا يستقبل الأحبة والأصدقاء فى القاهرة وقريتى (ابوحريز)،وهذا المظهر يعطى إنطباعا مغايرا لما نعانيه .
أتذكر أن جاء لزيارتنا فى القاهرة أحد الأحبة من بلد بعيد وكان معه صديق له يريد التعرف بى ، ولم يكن فى بيتنا ما يفى بواجب الضيافة ، ولم يكن فى جيبى ما استطيع أن أقوم له بالواجب ، وليس من عادتى أن أقترض من أحد ، ركبنى الهول وأنا أستقبل ضيفى وصديقه ، وجاء الفرج حين صمم الأخ العزيز على أنه ليس لديه وقت لارتباطه بموعد هام تأخر عنه ، وكانت سيارتهما تنتظر يدور محركها ، وقال إنه يفى بوعده لصديقه بأن يمرّ علىّ بسرعة ، على وعد آخر بأن نجلس معا وقتا أطول.انصرفا بسرعة ، وتنفست مستريحا.
أحمد الله جل وعلا أن مرّت هذه الفترة ، وأحمد الله جل وعلا أن مرت بدون أن يتشفى فىّ أحد ، بل على العكس كان الخصوم يشيعون ويكتبون كيف أن الأموال تأتينى من الخارج من أعداء الاسلام . أحمد الله جل وعلا
more




مقالات من الارشيف
more