رقم ( 4 )
الفصل الثالث : الفشل فى الابتلاء

 

  فشل المحمديين فى ابتلاء هذه الحياة الدنيا

 

 أولا : العالم حين نزل القرآن الكريم

1 ـ فى عصر نزول القرآن كان العالم المعروف فى الشرق والغرب تحكمه الديانات الأرضية ، وتشتعل فيه الحروب الدينية والمذهبية ومحاكم التفتيش ، ويسود فيه التعصب الدينى والإكراه فى الدين جنبا الى جنب مع الاستبداد والاسترقاق والظلم والفساد بكل أعوانه .

2 ـ نزل الاسلام قرآنا يتناقض مع هذه الثقافة الدينية السياسية الاجتماعية السائدة . وقلنا سابقا : (  الحرب فى سبيل الله جل وعلا الاسلام لا مثيل لها فى حروب البشر . حرب البشر فى الصراع الدنيوى تصل بالانسان الى مرتبة أحطّ من الحيوان ، وتتمثل فيها الهمجية بأبشع ما فيها ، ويدفع الثمن فيها المستضعفون ، ويفوز فيها وينجو ويكسب المستكبرون المترفون . الحرب فى سبيل الله يتجلى فيها أروع ما فى البشرية من نُبل ورقى حضارى . العدو المقاتل فى الجيش المعتدى يتم حقن دمه فى أرض المعركة لو نطق بكلمة السلام ، أو إستجار بالمسلمين ، ثم تتوقف الحرب ضد المعتدين بمجرد توقفهم عن الاعتداء ، وبمجرد توقفهم عن الاعتداء يصبح أخوة  فى الدين ( الاسلام السلوكى القائم على السلام) ، بل يغفر الله جل وعلا للمشركين المعتدين إذا إنتهوا عما هم فيه . وفى كل الأحوال فعلى المؤمنين رد الاعتداء بمثله دون زيادة ، وأن يكون إستعداهم الحربى ليس للإعتداء بل لردع المعتدى حتى لا يعتدى ، أى إستعداد حربى لتأكيد السلام ، لأن الاسلام هو دين السلام.  ) .

ثانيا : دخول العرب فى الاسلام ( الظاهرى ) أفواجا

1 ــ إن الدعوة للإسلام كانت تعنى السلام بديلا عن الحرب و التسليم لله جل وعلا وحده قلبيا وتعبديا. وقلنا إن للإسلام والايمان معنيان : فى التعامل القلبى مع الله جل وعلا هو التسليم له جل وعلا وحده والانقياد له وحده إلاها لاشريك له ولا تقديس لغيره . ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) الأنعام ).

والإيمان فى معناه القلبى هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بين الرسل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة  ).وهذا الاسلام القلبى والايمان القلبى مرجعه لله جل وعلا وحده يحكم فيه بين الناس يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)) الزمر ).

أمّا فى التعامل مع الناس ، فالاسلام هو السلام ، والمسلم هو المُسالم مهما كان دينه وعقيدته . والمؤمن هو من يأمنه الناس من الأمن والأمان . والمنافقون فى عصر النبى كان ينزل القرآن بكفرهم وتآمرهم ، ومع ذلك فهم مسلمون ظاهريا لأنهم لا يرفعون السلاح ، وكان التزواج بينهم وبين المسلمين المؤمنين قائما لأن الفريقين إشتركا فى السلام ، أى الاسلام بمعناه السلوكى الظاهرى . والايمان فى معناه الظاهرى هو التمسك بالأمن والأمان .

2 ــ المؤمنون حول النبى كانوا ـ فى الأغلب ــ مؤمنين بالظاهر بمعنى الأمن والأمان ، ومعظمهم لم يحقق الايمان القلبى ، أى كان كافرا بقلبه  مع إلتزامه بالأمن ، لذا دعاهم رب العزة الى تحقيق الايمان القلبى بأن يؤمنوا بالله ورسله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء ).

أولئك المؤمنون حول النبى كان منهم من يأكل الربا فهددهم رب العزة قائلا : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275))، ثم يقول لهم رب العزة جل وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) البقرة ).  يخاطبهم رب العزة بالذين آمنوا ، ليس بالايمان القلبى الذى ليس لديهم ، ولكن الايمان السلوكى بمعنى الأمن والأمان .

وكان أولئك ( المؤمنون ) الصحابة يعبدون الأوثان فى المدينة متمتعين بالحرية الدينية المطلقة التى أرسها الاسلام فى دولة الاسلام فى المدينة فى عهد خاتم النبيين عليه وعليهم السلام . قال الله جل وعلا لهم : ( وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ) فلم يسمعوا ولم يطيعوا ، وظلوا على عبادة الرجس عاكفين ، ثم فى أواخر ما نزل قال لهم جل وعلا يخاطبهم بالذين آمنوا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة ) قال لهم جل وعلا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ) ثم تأتى الآية التالية تحملهم المسئولية وأن ما على الرسول سوى البلاغ المبين دون إكراه فى الدين : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) المائدة ).

3 ــ ولأن الاسلام دين السلام فإن الله جل وعلا إعتبر دخول العرب فى السلام دخولا فى دين الله جل وعلا فقال لخاتم النبيين : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)  النصر). الذى رآه النبى هو الاسلام الظاهرى ، أى السلام وتوقف الحروب . ليس بوسع النبى أن يعلم غيب القلوب ، ليس بوسعه معرفة الاسلام القلبى والايمان القلبى بالله جل وعلا وحده الاها ، فالله جل وعلا قال له عن بعض أصحابه الملازمين له إنهم مردوا على النفاق ، وهم أسوأ المنافقين وسيعذبهم الله جل وعلا مرتين فى الدنيا ـ بعد موت النبى ، ثم ينتظرهم عذاب عظيم فى الآخرة . هؤلاء الصحابة المجرمون الملازمون للنبى لم يكن النبى يعرف ما فى قلوبهم : (  وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) التوبة )  . هؤلاء الصحابة الذين مردوا على النفاق وتوعدهم رب العزة بالعذاب مرتين فى الدنيا وعذاب عظيم فى الآخرة كانوا مؤمنين مسالمين حسب الظاهر ، شأنهم شأن الذين دخلوا فى السلام ـ دين الله جل وعلا ـ أفواجا .  ثم إرتكبوا فيما بعد خطيئة الفتوحات والفتنة الكبرى.

4 ـ  الكفر و الشرك سواء. هما قرينان فى مصطلح القرآن لذلك يأتيان مترادفين فى النسق القرآنى. ( 9 / 1 ، 2 ، 17) ( 40/42 2)ـ الكفر فى الغة العربية يعنى التغطية, أى كفر بمعنى غطى , والكفر العقيدى يعنى التغطية على الفطرة النقية بتقديس آلهة وأولياء مع الله جل وعلا .و فى نفس الوقت فان ذلك هو أيضا شرك لأنه حول الألوهية الى شركة وجعل لله تعالى شركاء فى ملكه ودينه   وعليه فكما للاسلام معنيان (الايمان بالله وحده الاها والانقياد والاستسلام لله وحده) حسب العقيدة القلبية فى التعامل مع الله، و( الأمن والثقة والسلام ) فى التعامل مع كل الناس ، فان الشرك والكفر معا يعنيان النقيض ؛ الظلم والاعتداء، اى الظلم لله تعالى والاعتداء على ذاته بالاعتقاد فى آلهة أخرى معه ، وتقديس غيره ، فيما يخص العقيدة ، والظلم والاعتداء على البشر بالقتل للابرياء وسلب حقوقهم وقهرهم، في التعامل مع الناس، كما فعل الصحابة فى الفتوحات.  

ونجح القرآن فى إقناع العرب  بالسلام ، وكانوا وقتها يتقاتلون بسبب وبدون سبب . دخل العرب فى الاسلام الظاهرى بمعنى السلام وحرية الدين المطلقة. بموته عليه السلام تسيّد منافقو قريش فى عصر الخلفاء الراشدين ، فارتكب العرب جريمتى الفتوحات والفتنة الكبرى ، وحكمت قريش خلال الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين ، وفى حكمهم تم عقد الصلح مع ثقافة العصور الوسطى السائدة ، من الحروب الدينية والمذهبية والدولة الدينية والاستبداد الدينى والسياسى ، وتأسّست وترعرعت وتحكمت فى ( المسلمين ) الأديان الأرضية التى تنسب نفسها الى الاسلام زورا ، وهى السنّة والتشيع والتصوف .

 5 ــ  هذه الأديان الأرضية لكى تنتشر وتسود وتسيطر لا بد من تغييب العقل تماما ، والتعقل أساس فى الاسلام .وتكرر فى القرآن الكريم الدعوة للتعقل والتبصر والتفكر والفقه ، وكلها بمعنى واحد ، بل جاء تعليل نزول القرآن باللسان العربى لعلهم يعقلون :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف ) ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف ). وبإنكار التعقل وبخصومتهم مع القرآن الكريم وإتخاذه مهجورا تأسست للمحمديين شرائع غير إسلامية تمارس الارهاب على أنه جهاد وتقتل الاسير وتأكل حق اليتيم وتغتال قيم الحرية والعدل والمساواة وحقوق الانسان والحرية الدينية المطلقة والعلمانية الشريفة . وهذا ما ترتكبه الوهابية الآن ، وتنسبه للاسلام .

ثالثا : إنكارهم نعمة القرآن الكريم

1 ـ  فشل المحمديون فى الاختبار بإنكارهم نعمة القرآن ، وهى أعظم نعمة منّ بها الله جل وعلا عليهم .

2 ــ لقد وصف الله جل وعلا القرآن بالنعمة . فى البداية أمر الله جل وعلا رسوله بالدعوة الى الاسلام بالتحديث بحديث الله جل وعلا فى القرآن ، فقال له جل وعلا :(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)الضحى ) . كان قبل أن ينزل عليه القرآن الكريم يلقبونه بالصادق الأمين ، فلما بدأ يدعوهم بالقرآن أصبحوا يتهمونه بالضلال والغواية فقال لهم رب العزة مدافعا عنه : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم ) . إتهموه بالجنون والكهانة بسبب ( نعمة القرآن ) ، فقال له جل وعلا :( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) القلم ) (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29)) الطور ). وتعهّد رب العزة بإتمام القرآن أو نعمة القرآن ، فقال جل وعلا مؤكدا :( وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) البقرة). وبإنتهاء القرآن الكريم نزولا فقد أتمّ رب العزة نعمته و إكتمل الاسلام دينا : (  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً )(3) المائدة ).

3 ــ إختلف موقف قريش التى كانت تصدُّ عن سبيل الله وتجعل رزقها فى التجارة بالدين ، لذا كانوا كما وصفهم رب العزة يؤمنون بالباطلويكفرون بالقرآن الذى هو نعمة إلاهية ، يقول جل وعلا لهم : ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) النحل )، ولأن الاسلام مؤسس على الحرية الدينية وأنه ما على الرسول سوى البلاغ فقد قال جل وعلا لهم فى نفس السورة عن إستمرارهم فى إنكار نعمة الله مع أنهم يعرفونها : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ (83)) النحل ).

وقد كانوا ينكرونها مع معرفتهم أن القرآن ( هدى ) ولكنهم إعتقدوا أنهم لو إتّبعوا ذلك الهدى فستنتهى تجارتهم بالبيت الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس عامة وليس لأن تتحكم فيه قريش ( أو السعودية ) ، قالوا فى تعليل كفرهم بالهدى القرآنى أو النعمة القرآنية : ( إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) (57)  القصص ). كان لتكذيبهم بنعمة القرآن سبب إقتصادى بحت ، قال لهم رب العزة جل وعلا :( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) الواقعة ). لذا يقول جل وعلا عن القرشيين :(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) العنكبوت ) آمنوا بالباطل وكفروا بنعمة الله ، وإشتروا لهو الحديث ليضلوا الناس عن أحسن الحديث ( لقمان 6 ) لذا قال جل وعلا فى قاعدة عامة :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) العنكبوت ).

4 ــ لقد توعّد الله جل وعلا بنى إسرائيل بالعقاب الشديد لو ( بدّلوا نعمة الله ) أى آياته البينات : ( سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) البقرة ).

وقريش بعد موت النبى بدّلوا نعمة الله جل وعلا القرآنية كفرا سلوكيا  بالفتوحات ، فحق عليهم العقاب سريعا بالفتنة الكبرى. وبالفتوحات والفتنة الكبرى تأسست أديان أرضية تبدل نعمة القرآن بمزاعم النسخ والتأويل والتفسير وإفتراء أحاديث شيطانية ، وهذا لا يزال ساريا وسائدا ، وبه تتنزل العقوبات الالهية على المحمديين . أى ينطبق عليهم قوله جل وعلا : ( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) البقرة ).

أخيرا

1 ــ نعمة القرآن الكريم محفوظة من لدن الله جل وعلا ، ولولا حفظها لقام أئمة المحمديون بمحو كل الآيات التى تنفى شفاعة النبى وشفاعة البشر والآيات التى تنفى عصمة النبى وتؤكد بشريته ، والآيات التى تنهى عن التفريق بين الرسل ، ولوضعوا مكانها أحاديثهم المسماة بالنبوية والقدسية . جعلوا تلك  الأكاذيب التى صنعوها بعد موت النبى بقرنين وأكثر ـ وحيا ، وأسموها (سُنّة ) وزعموا انها تنسخ أى تُلغى القرآن وتعلو عليه . ولم يستطيعوا تحريف النّصّ القرآنى فاسسوا ما يعرف بعلوم القرآن التى تطعن فى القرآن ــ ولنا مقال بهذا العنوان منشور هنا ـ وزعموا النسخ بمعى إلغاء الأحكام التشريعية القرآنية ، وإفتروا أن النبى كان أميا بمعنى انه لا يعرف القراءة والكتابة ، وأنه أوكل لأصحابة كتابة القرآن ، وأنهم نسوا آيات كذا وكذا ، وفندنا هذه الافتراءات فى أبحاث منشورة هنا أيضا .

2 ــ الخلاصة : أنهم إبتلاهم الله جل وعلا بنعمة القرآن فكفروا بالقرآن .

3 ــ هم الآن أضحوكة العالم ، ومن لم يتب منهم فهو خالد فى جهنم .

4 ـ خسروا الدنيا وخسروا الآخرة .

5 ــ لقد قال جل وعلا عمّن يخسر الآخرة فقط (  إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) ) الزمر )( إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)  الشورى ).

6 ــ فما بال الذى يخسر الدنيا والآخرة معا ؟

 

 

  الفشل الجزئى للغربيين فى ابتلاء الحياة الدنيا

 مقدمة :

تكرر فى القرآن الكريم الدعوة للتعقل والتبصر والتفكر والفقه والسمع ، وكلها بمعنى واحد. ولكن يلفت النظر قوله جل وعلا فى خطاب خاص للعرب بأن  نزول القرآن باللسان العربى لعلهم يعقلون :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف )( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف ). أى لم يكونوا يعقلون فنزل القرآن الكريم باللسان العربى لعلهم يعقلون . ولم يعقل العرب فخسروا الدنيا والآخرة كما سبق بيانه . فما هو حال ( الغرب ) فى التعقل ، وهم الذين لم ينزل القرآن الكريم بلسان من ألسنتهم ؟ .

 بعون الله جل وعلا وتوفيقه نقول :

أولا : ماهية التعقل

 لم يرد فى القرآن الكريم مصطلح (العقل )، ولكن جاء إستعماله ( يعقلون ) ومرادفاتها من التبصر والتفكر والتفقه والسمع . أى إن المهم هو إستعمال ذلك العقل ، وبدون إستعماله لا يكون العقل موجودا أى عديم الفائدة. بل يكون الانسان ( الحيوان العاقل ) بدون التعقل أحطّ من الحيوان العادى : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) الفرقان ). ومصيرهم الى جهنم ، يقول جل وعلا : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179) الأعراف ). الغفلة عن الحق من مظاهر عدم التعقل ، فما هو التعقل ؟

فما هو التعقل ؟

1 ـ الذكاء ليس تعقلا ، قد يتضمنه ( العقل ) ولكن التعقل شىء مختلف عن الذكاء أو إستعمال الذكاء. النصّاب ذكى وبذكائه يخدع البسطاء . هذا النصاب الذكى يشمل ليس فقط النصاب العادى البسيط الذى يبيع الترام للفلاح القادم للقاهرة ويخدع عشرات الأشخاص فى الطريق والأسواق ووسائل المواصلات ، هناك نصّابون أخطر وأضل سبيلا ، من السياسيين والذين يخلطون السياسة بالدين يخدعون الملايين، وبهذا النصب صاروا زعماء وأسسّوا دولا ودخلوا التاريخ ، منهم معاوية وآل العباس ( محمد بن على بن عبد الله بن عباس ، وذريته السفاح والمنصور ) ، ومنهم فى عصرنا آل سعود وخاتمتهم عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة الحالية . وهناك الشيخ الدجّال البسيط الذى يخدع النساء والبسطاء ، ولكن هناك شيوخ الدجل الكبار من أئمة الأديان الأرضية المسيحية والمحمدية والبوذية والهندوسية . الدجال العادى والنصاب العادى مصيره الى السجن ، اما النصابون الكبار فهم من عظماء التاريخ. هؤلاء النصّابون ـ جميعا ـ غاية فى الذكاء . ولكنهم ليسوا عقلاء ، لو كانوا عقلاء لأدركوا أن كل نعيم الدنيا فهو لا يساوى لحظة نعيم فى الجنة أو لحظة عذاب فى النار .

وهناك عباقرة فى العلوم الطبيعية ، بإختراعاتهم وإكتشافاتهم تتقدم البشرية . أحدهم يستعمل اقصى ما لديه من ذكاء ونبوغ وهو فى المعمل باحثا مُنقّبا ، ولكنه يترك عقله وهو يقف خاشعا أمام صنم بوذا ( فى اليابان ) أو صنم للمسيح والعذراء فى الغرب .

 2 ـ  التعقل هو أن يُدرك الانسان عاقبة ما يفعل مؤمنا أن الله جل وعلا خلقه ليختبره ويبتليه وأنه جل وعلا أعطاه الحرية والفطرة السليمة لكى يتساءل من طفولته تلك الأسئلة الفلسفية الكبرى عن معنى الوجود وهدفه .  المعنى الأساس للتعقل هو نقيض إستعمال الهوى ، وهذا ما جاء فى قوله جل وعلا : (أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) الفرقان ).

إن من يتحكم فيه هواه يستحيل أن يهتدى خصوصا علماء الدين  الأرضى، إذ يستخدم أحدهم علمه وذكاءه فى إضلال الناس ، وهذا ما كانوا ـ ولا يزالون ـ يفعلونه . ولقد قال جل وعلا عنهم مقدما :( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية 23 )، بل وضرب لهم مثلا بالكلب اللاهث : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) الأعراف ). وينطبق هذا على أئمة المحمديين المقدسين من مالك والشافعى وابن حنبل والغزالى الى ابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن باز والشعراوى والقرضاوى . وفى كل الأحوال ، فالهوى يسلب التعقل والهداية من الانسان ويجعله أضل من الحيوان .

ثانيا : الغرب والتعقل فى الدنيا دون الدين

1 ـ و( تعقلت ) أوربا والغرب وتخلصت من  سيطرة أديانها الأرضية ، وإنطلقت تسير فى الأرض وتكتشف وتخترع ، وتؤسس نُظُما سياسية ديمقراطية ، وتعقلت أكثر فإنحازت الى قيمة ( العدل ) وحقوق الانسان وكرامته وحرية الدين التى أكدها القرآن قبلهم بأكثر من عشرة قرون ، بينما لا يزال المحمديون  بأديان مختلفة يتصارعون ، يقتلون أنفسهم بأيديهم بالجهاد المزعوم ، ويهتفون بلا خجل : الله أكبر .!!.

2 ــ بالتعقل والفطرة السليمة وصلت أوربا والغرب الى القيم الاسلامية العليا التى بشّر بها القرآن من قبل . تلك الفطرة التى نسميها ( الضمير ) ، والتى تنحاز الى العدل والحرية والخير والسلام .

3 ــ ولكن الغرب الأوربى والأمريكى ( واليابانى ) توقف بهذا التعقل عند حدود الدنيا بتطبيقه الديمقراطية وحرية الدين وحقوق الانسان وحقوق الأقليات والمرأة بل حتى حقوق الحيوان مع شعار ( العدل للجميع ) أو (  Justice for all)،كما أن الغرب قد توقف بهذا التعقل الاصلاحى فى داخل حدوده الاقليمية ، دون جهد حقيقى للتبشير بهذه القيم داخل مجتمعات المحمديين ، خصوصا وأن نشر هذه القيم ( الاسلامية القرآنية الأصل ) يرفضها أغلب المحمديين من السادة والغوغاء معا ، ثم لا ننسى إن تقاتل المحمديين يزيد من مبيعات السلاح الغربى ..

4 ــ وصلت أوربا والغرب بالتعقل الى تطبيق القيم الاسلامية ( الفطرية ) فى الحياة الدنيا ، ولكن تركت الايمان العقلى بالله وحده لا شريك له والايمان الحق باليوم الآخر ضحية للفساد الكنسى وخرافاته عن المسيح .

5 ــ ومن عجب أن يصل الغرب بذكائه الى فهم بعض أسرار ومعجزات الخالق جل وعلا فى الكون من الذرّة الى المجرّة  دون أن يؤثر هذا على تغيير رؤيته للخالق جل وعلا . العالم الغربى المتخصص فى الفضاء ينبهر وهو يكتشف آلاء الله جل وعلا ، وكلما تعمق إزداد إنبهارا ، وارتد اليه بصره و(هو حسير ).! ولا يدرك أن الله جل وعلا خلق الموت والحياة ليختبرنا :  ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4) الملك ).

لا يزال الغرب العلمى يكتشف آلاء الله منبهرا بما فى داخل الخلية والذرة والمجرة ، دون أن يؤمن بالخالق جل وعلا ؛ ينبهر بمخلوقات ( الخالق ) دون تقديس ( للخالق )، ودون إدراك للإبتلاء الالهى للبشر ، وأنه  جل وعلا خلق السموات والأرض ليختبرنا أينا أحسن عملا : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  (7 ) هود ).

6 ــ إن هذا الإعجاز المُبهر فى خلق السماوات والأرض كفيل لأولى الألباب ( العُقلاء ) لكى يخشعوا ، ويتحول إنبهارهم بالخلق الى تقديس للخالق وحده وإنكار لتقديس أى مخلوق كمحمد أو عيسى أو بوذا. إن الله جل وعلا يقول عن المتعقلين أولى الألباب : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)آل عمران )

7 ــ الذكاء الغربى لم يصل الى هذه الدرجة من التعقل.  إقتصر التعقل الغربى على التعامل البشرى ، أو الاسلام السلوكى ، ولكنه أهمل التقوى القلبية وإسلام القلب لله جل وعلا وحده . لو سلّط تعقله على خرافات الكنيسة لأنهى خرافاتها عن تأليه المسيح. ولهذا تجد عجبا ؛ العالم الغربى فى معمله يكتشف مستعملا أقصى ما لديه من ذكاء فى علوم ( الطبيعة ) والكون المادى ( فيزيقا ) ، ولكنه يترك عقله حين يستمع مستسلما لخرافات القسيس حول الاله الذي كان جنينا فى بطن العذراء ، ثم وُلد ، ثم سمح لمخلوقاته أن تقتله وأن تهينه وأن تصلبه تكفيرا عن ذنوبهم ، ثم يقوم قيامته من قبره ، ثم يرجع آخر الزمان ومعه ملائكته .! هذه الخرافات يرفضها الطفل الصغير لو إستعمل عقله ، ولكن العالم الغربى بكل ما أوتى من ذكاء وعبقرية لا يستعمل عقله فيها، لأنه إعتاد عادة سيئة هى أن مجاله هو الفيزيقا والعالم المادى ، أما تلك ( الميتافيزيقا ) فلا مجال للعقل فى نقدها . نجح الغرب فى الدنيا ولكنه يخسر الآخرة . ونحن نتكلم عن الأغلبية وليس على العموم .

ثالثا : فساد المحمديين وصل الى الغرب

 1 ــ اللعنة التى تحيق بالمحمديين حتى الآن سببها رفضهم القرآن وحده مرجعية للإسلام وتكذيبهم به وكفرهم به تعصبا للبخارى وغيرة من أئمة الٍسُّوء ، وإضطهادهم لدُعاة الحق القرآنى الداعين الى الاصلاح السلمى بالاحتكام الى القرآن ، وهو فريضة منسية مُستنكرة . وتتأكّد هذه اللعنة فى أن المحمديين يرتكبون هذا الظلم لله جل وعلا ودينه ورسوله ، وهم معهم القرآن باللسان العربى . أى معهم الهداية فإزدادوا بها طغيانا وكفرا ، والنتيجة أنهم خسروا الدنيا وخسروا الآخرة . وما يحدث الآن فى مقارنة الغرب والمحمديين يؤكد هذا .

2 ــ أوصل المحمديون الوهابيون لعنتهم الى الغرب فشوّهوا صورة الإسلام أكثر فى الغرب . هرب ملايين المحمديين الى الغرب ، لأسباب شتّى ، من أهمها الاضطهاد الدينى والسياسى فى بلادهم الأصلية . جاءوا للغرب يحملون أوزارأديانهم الأرضية فى قلوبهم ، ومنها الكراهية الدينية للغرب الذى يستضيفهم ـ وهى كراهية دينية وتعصب بعثته الوهابية من مرقده . ومن تلك الأوزار إعتبار الوهابيين أن دينهم ( الأرضى ) الشرّير المنتسب زورا للإسلام والمتناقض معه ـ هو أعلى من الأديان الأرضية المسيحية، مع أن الوهابية شرُّ وأضل سبيلا .

3 ــ بالمال السعودى والنفوذ السعودى تسللت الوهابية للغرب وتشعبت منذ عهد الملك فيصل ــ ولا تزال ـ حيث أنفقت السعودية وحدها حوالى مائة مليار دولار فى نشر الوهابية وإفساد العالم وتخريبه وتشويه صورة الاسلام ، ولتفسد مجتمعات ( المحمديين ) فى الغرب . سيطرت الوهابية على المراكز العلمية فى الجامعات الأمريكية المتخصصة فى الاسلام والشرق الأوسط واللغة العربية ، لتمنعها من دراسات علمية تناقش وتنقد الوهابية ، وسيطرت على أغلبية المساجد والمراكز ( الاسلامية ) فى الغرب .

4 ــ وبهذا أفلحت الوهابية السعودية فى تحقيق كارثتين :

4 / 1 :  إفساد الجاليات المحمدية فى الغرب بالوهابية ، ونشأة أرهابيين من داخل تلك الجاليات ترتكب  أعمالا إرهابية فى وطنهم الأمريكى والأوربى ، وخارجه بزعم الجهاد. والان أصبح معروفا إستقطاب ( داعش ) للجيل الثانى من المهاجرين المحمديين .

4 / 2 : المفترض فى المحمديين الأمريكيين والأوربيين ـ الذين نشأوا فى الغرب وتعلموا فيه قيم الحرية الدينية والتسامح والحرية والعدل ـ أن يكتشفوا أصول هذه القيم فى القرآن الكريم فيصبحوا مسلمين حقيقيين ، وأن يقوموا بدور إصلاحى فى بلادهم الأصلية التى لا تزال تحمل أوزار أديانها الأرضية وتحكمها فى تلك البلاد ، ومنتظر أن يكون هؤلاء المسلمون الغربيون الأقدر على إستخدام وسائل الاتصال الحديثة فى نشر ذلك الاصلاح . ولكن الذى حدث هو العكس . إنتقلت الوهابية لتفسد ( مسلمى ) الغرب .

5 ــ ومن المُضحك أن ( المحمدى ) الأمريكى والغربى يستطيع أن يشترى كنيسة أو معبدا يهوديا ويحوّله الى مسجد ، وتُتيح له الثقافة الغربية أن ينشر دينه بين الغربيين ، وفى نفس الوقت فإن هذا ( المحمدى الغربى ) يرفض مجىء بعثات تبشيرية للدعوة لدينها فى بلاد المحمديين ، ولا يتصور ــ مجرد تصوّر ــ ان يتم تحويل مسجد فى مصر أو غيرها الى كنيسة ، والسعودية تمنع بناء كنيسة فى مملكتها ، وتطارد المسيحيين المغتربين فيها لو حدث وأقاموا صلاة مسيحية فى بيوتهم . بل إنه بالنفوذ السعودى تتم مطاردة أهل القرآن المصريين لو صلوا الجمعة أو الجماعة داخل بيوتهم . وهذا ينال الرضى والاستحسان من المحمدى الوهابى الأمريكى ، بل إنه يبذل جهده فى إكراه غير المحمدى على إعتناق دينه المحمدى ، ويبذل جهده وجهاده لمنع المسيحيين المصريين من بناء كنائس جديدة أو إصلاح مرافق كنائسهم القديمة ، ثم يهُلل لداعش وهى تذبح المسيحيين وغيرهم ممن يخالفون دينه ومذهبه . ولا يشعر بالعار والخجل ، بل يتطوع أفراده للقتال مع داعش ..

أخيرا

1 ــ بهذا يتأكد أن المحمديين خسروا الابتلاء ، وخسروا الدنيا والآخرة ، بينما خسر الغرب الآخرة  فقط و كسب الدنيا . بلاد الغرب هى الأكثر رخاءا وثراءا وأمنا ، والغربيون هم الأكثر سعادة وتمتعا بالحياة . أما فى بلاد المحمديين فتجدها تحتكر الضنك والأزمات والشقاء والخوف ( خوف الحاكم من المحكوم وخوف المحكوم من الحاكم ) والارهاب ( إرهاب السُّلطة وارهاب الوهابيين الثائرين ) والقلق والأمراض والمذابح وتجاور الثراء الفاحش للمترفين مع الفقر المُدقع للمحرومين. 

2 ــ يقول جل وعلا عمّن أعرض عن ذكره جل وعلا وعن كتابه : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)  طه ).

3 ــ تدبر هذه الآيات الكريمة التى تنطبق على المحمديين وأئمتهم .

تدبرها وقل معى: 

ودائما ..صدق الله العظيم .!!

 

 

  لماذا يفشل أغلب البشر فى ابتلاء الحياة الدنيا

 

أولا : ملمح نستفيده من قصة ابراهيم عليه السلام

1 ــ مبكرا بدأ الفتى ابراهيم  راشدا يحتج على ابيه وقومه : (  وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) الأنبياء ). كانوايعبدون الله جل وعلا ، ويعبدون معه أوثانا ينحتونها  تمثل الكواكب والشمس والقمر. قبلها دخل الفتى ابراهيم فى حوار مع نفسه عن القمر والشمس والكواكب التى يعبدها قومه : ( الأنعام 74 : 78  )، وتوصل بعقله الى عبادة الخالق وحده، وأعلن لقومه: ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (79) الأنعام ). ودخل فى صراع مع أبيه وقومه والملك الذى زعم الألوهية وأنه يحيى ويميت ، فناقشه ابراهيم عليه السلام وتحداه أن يأتى بالشمس من المغرب ، فبُهت الذى كفر ( البقرة 258 ). واجههم ابراهيم بالحجة العقلية المنطقية بأن يعبدوا الخالق وحده ، وليس مخلوقاته معه ، أن يعبدوا الله جل وعلا وحده لا أن يعبدوا ما ينحتون من أصنام وقبور مقدسة ، فألقوه فى النار ، فأنجاه الله جل وعلا منها : (  قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ (98) الصافات ).  

 2 ـ محور الهداية فى قصة ابراهيم هى خلق السماوات والأرض . إن الله جل وعلا هو وحده خالق السماوات والأرض وبالتالى فلا يصح أن يكون معه إله آخر لم يخلق شيئا ، بل هو من مخلوقات الله. ومن حُمق البشر ــ من محمديين ومسيحيين وبوذيين وهندوسيين ــ أنهم يعبدون مخلوقات خلقها الله جل وعلا ، ويرفعونها الى مرتبة الخالق جل وعلا : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) الأعراف )، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) النحل ) ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ )( 3) الفرقان ). يصل الخبل العقلى الى الحضيض حين يأخذون مواد الأرض التى سخرها الله جل وعلا لهم ، والتى يدوسون عليها بأقدامهم من تراب وأحجار وحصى وخشب ، والتى  يستعملونها فى بناء البيوت والحظائر ودورات المياه ، ويقيمون بها قبورا يجعلونها مقدسة بدعوى أن تحتها رفات من يقدسونه ويعبدونه . وكانت حجة ابراهيم عليه السلام موجهة الى أولئك المغفلين الذين يعبدون م

الابتلاء
مقدمة كتاب ( الابتلاء )
كان مقالا فأصبح كتابا ..
كالعادة : سؤال يرد لى فأبحث عن الاجابة فى القرآن الكريم ، وأكتب مقالا ، فتتكشف لى حقائق قرآنية جديدة ، فيتحول المقال الى مقالات ، ثم ينتهى الأمر بكتاب . جاءنى سؤال من قرأنى تعرض لابتلاء ، فكتبت مقالا فى حتمية ابتلاء المؤمنين ، وتشعب الموضوع ليصبح هذا الكتاب .
بعد خمسين عاما من معايشة القرآن ؛ كلما إزددت منه علما إزداد إحساسى بأنى لا ازال تلميذا على ساحل التدبر فى آياته .
سبحان من أنزله نورا وهدى : (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَه ُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُ هُمْ مِنْ الظُّلُمَا تِ
more