رقم ( 2 )
الفصل الأول : أهمية الابتلاء

 ( إبتلاءات المؤمنين )

هذه رسالة أحببت أن أجيب عليها فى هذا المقال :

(.. لماذا تنهال علىّ كل هذه المصايب من الناس ؟ أنا انسان فى حالى ، واعتبر نفسى مسلم وأصلى واصوم وملتزم . وطبعا غير معصوم ربما اعمل اشياء وحشة لكن أنا أحسن من غيرى .. كفاية ان انا قرآنى لا أؤمن بالأحاديث و الأديان الأرضية ، ولم أعد أعتقد فى الشفاعة وقد قمت بالحج للمرة الثانية فلم أضيع حجتى بزيارة قبر النبى فى المدينة . ولم يعد عذاب القبر يخيفنى بعد أن عرفت من موقعكم أهل القرآن انه خرافة ، وانتهى من عقلى تقديس البخارى بعد أن قرأت كتابك ( القرآن وكفى ) ، وتعلمت ان الاسلام هو السلام مع الناس وهو  طاعة الله جل وعلا . كنت من قبل إذا قيل حديث للرسول أهتف بالصلاة والسلام عليه معتقدا أنه يسمعنى وسيشفع لى بينما لو قيل ( الله ) فلا يهتز لى جفن ، الآن إذا ذُكر إسم الله أقول سبحان الله وأصبح تسبيح الله جل وعلا على لسانى ، وإقتنعت بأن شهادة الاسلام هى ( لا إله إلا الله ) وأنها تتضمن الايمان بكل الرسل بلا تفريق بينهم . ولا أطيل عليك يا استاذ .ولكن منذ أن عرفت الحق واسترحت اليه والمصائب والبلاوى تتوالى على . كنت قد أرسلت لك رسالة سابقة عن معاناتى مع الذين أكلمهم عن البخارى وأدعوهم الى التمسك بالقرآن وكفى .ورديت علىّ تنصحنى بعدم الجدال معهم وأن أتفقه فى الاسلام بمتابعة ما تكتبه وتنشره . وأفعل ذلك ، ولكن أحتاج الى جواب من حضرتك : لماذ تتوالى علىّ المصائب والابتلاءات من يوم ما عرفت الدين الصحيح ؟ لماذا أصبحتُ مكروها ؟ لماذا تأثرت تجارتى وتخلى عن أقرب الأقارب وأخلص الأصدقاء ؟ لماذا حلّ بى المرض وأصابنى الإكتئاب ؟ هل هذا كما يقولون  غضب من الله لأنى فى نظرهم كافر وعدو للرسول . أنا لا أصدق هذا . بس محتاج الاجابة منك .وأرجو أن لا تهمل رسالتى لأن نفسيتى فعلا تعبانة . )

وأقول

أولا :

1 ـ فى سياق الردّ على أتباع الأحاديث الشيطانية الضالة المُضلة والذين لا يؤمنون بتمام القرآن والاكتفاء به وحده  يقول جل وعلا  لخاتم النبيين: (  وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الانعام ). فى آية قرآنية واحدة ذكر رب العزة أن النبى نفسه لو أطاع اكثر من فى الأرض سيضلونه عن سبيل الله ، وأنهم يتبعون أديانا تقوم على ( الظن ) والكذب على الله جل وعلا أى ( يخرصون ). هنا أربع حقائق : أكثرية البشر مضلون ، وليسوا فقط ضالين ، وأن قدرتهم على الاضلال تصل للنبى نفسه لو أطاعهم ، وأنهم يتبعون أكاذيب دينهم الأرضى وأحاديثه الشيطانية ، وأن دينهم الأرضى قائم على الظن  وليس الحق ، ويتأكّد هذا بقوله جل وعلا : (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) الأنعام )(  وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)) يونس )( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى (23) ) (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً (28) النجم ).

2 ـ هذه الحقائق القرآنية الأربع تتجلى فى عصرنا . فأكثرية البشر ــ ومنهم المسيحيون والمحمديون والبوذيون والهندوسيون و السيخيون  ـ يتبعون أديانا أرضية تقدس البشر والحجر ، وتتبع أحاديث ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان .

3 ـ قد يُقال بأن أكثرية البشر من أتباع الديانات الأرضية ضالون فقط ، وأن أئمتهم هم المُضلون ، وهؤلاء الأئمة أقلية ، وهذا يخالف ما جاء فى الآية الكريمة فى إعتبار الأكثرية مُضلّة .

وأقول إن التجربة العملية الواقعية تُثبت صدق الآية الكريمة .

جرّب بنفسك أن تقول لأحد العوام من المحمديين مثلا أن شهادة الاسلام هى واحدة ( لا إله إلا الله ) أو أن النبى لا يشفع أو أنه لا يجوز إسلاميا زيارة قبر النبى ، أو أن قبر النبى المنسوب اليه هو رجس من عمل الشيطان ، أو ان البخارى يطعن فى رب العزة والرسول الكريم والاسلام العظيم.  ولهذا فإن أصحاب النار قسمان : الذين إستكبروا ( القادة الأئمة ) وأتباعهم جنودهم من العوام المستضعفين . وسيظلون فى خلود جهنم يتلاومون ويتلاعنون . يقول جل وعلا عنهم :(فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (102) الشعراء ). 
وعن تخاصمهم فى جهنم يقول ربى جل وعلا : (  وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) سبأ ). ويقول رب العزة جل وعلا عن أولئك المستضعفين وهم فى النار : ( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)  الأحزاب) 
.عندما تتصوّر هذا تحمد رب العزة على الهداية .!

المُراد أنه بمجرد أن تصدع بالحق فى وجه العوام فسرعان ما يتحولون من ( ضالين ) الى ( مُضلين ) ، ولا يدخرون وسعا فى إكراهك فى الدين ، وإيذائك لو إستطاعوا . وهم فى إيذائك لا يتورعون عن الافتراء على الله جل وعلا ورسوله دفاعا عن دينهم الأرضى، أى يؤذونك ويؤذون الله ورسوله ، وبهذا ينطبق عليهم قوله جل وعلا : (  إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58) الاحزاب ) . بل يتجاوز الأمر مجرد الأذى الى ما هو أشنع . وقد عشنا هذا ، وقاسينا من العوام ومن المستكبرين ، وتأكّد لنا أنهم معا من المُضلين . والحمد لله رب العالمين .

4 ــ وبالتالى فإن الذى يعرف الايمان الحق لا بد أن يتعرض للإبتلاء ، ومنه الاضطهاد فى الدين.

وبعض الناس يظن أنه بمجرد أن يعرف الحق ستتوالى عليه الخيرات وسيُقيم له الناس حفلات التكريم .  يحسب أن إيمانه القولى والقلبى يعصمه من الابتلاء ، ولا يعرف إن هذا الايمان الحق ليس إلا بوابة تدخل منها الابتلاءات ، إذ لا بد أن يتم إختباره بمواقف صعبة ليرى ذلك المؤمن بنفسه هل سيصمد أم  سينهار . لذا يقول جل وعلا فى سؤال إستنكارى للناس الذين يتوهمون أنه بإعلانهم إيمانهم سيكونون فى حصانة من الابتلاء والفتنة فى الدين أى الاضطهاد الدينى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) العنكبوت )

5 ــ إن معرفة الحق ليست صعبة . من أراد الهداية وسعى لها يجد هداية الله جل وعلا فى إنتظاره ، ويزيده الله جل وعلا هُدى . قد يأتى لك الحق سهلا ، فى مقال أو خطبة ، أو فى تدبّر مُخلص لآية قرآنية تؤكد بشرية النبى وتنفى عصمته وتقديسه وشفاعته . بل مجرد أن تقول وأنت تصلى ( إهدنا الصراط المستقيم ) وتدعو بها بإخلاص حقيقى راغبا فعلا فى الهداية سيهديك ربك جل وعلا. والمحمديون يقرأون فى الفاتحة ( إهدنا الصراط المستقيم ) ملايين المرات وهم عنها لاهون ، وإذا سمعوا الهداية أعرضوا ، بل ربما إزدادوا كفرا وعنادا.

معرفة الحق ليست صعبة . الصعب فعلا هو التمسك بالحق بعد أن تعرفه. لأن الصوارف عن الحق كثيرة وشديدة التأثير ، من الحرص على المال والجاه والهروب من الاضطهاد . لأن قول الحق والتمسك به سيخلق لك مصاعب و أعداءا ، فلقد تأسست للباطل مؤسسات ، وقامت عليه مصالح وسياسات ، ولن يرضى هؤلاء بكلمة تؤثر على أوضاعهم و مكاسبهم . وهكذا .. فمجرد أن تعرف الحق وتعلنه سيتكاثر أعداؤك ، ويتخصص أناس فى الكيد لك ، وترى نفسك فى إبتلاء حقيقى.

6 ــ لذا يرتبط الحق بالصبر ، لأنه بدون الصبر على الحق لن يستمرّ فى هذه الأرض . والمؤمنون الذين يعملون الصالحات ويتمسكون بالحق وبالصبر والذين يتواصون بالحق والصبر هم فقط الفائزون ، وغيرهم من بقية البشر فى خُسر . ( وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)  العصر ) .  

إن هذا الابتلاء قد يكون بشرى إذا تمسكت بالصبر . لك لأنه يعنى أنك على طريق الايمان الحقيقى .

ثانيا : التأكيد الثقيل على إبتلاء المؤمنين عموما

1 ـ من المُفيد أن نذكر أن الله جل وعلا عندما تحدث عن إبتلاء البشر جميعا فإنه جل وعلا لم يستعمل أسلوب التأكيد قال للبشر جميعا  : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك ). (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)  الكهف ). (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء ) جاءت بدون تأكيد قوله جل وعلا : (ِيَبْلُوَكُمْ ) ، (ِنَبْلُوَهُمْ ) ، (َنَبْلُوكُمْ ).  ولكنه جل وعلا إستعمل اسلوب التأكيد الثقيل المُغلّظ فى إبتلاء المؤمنين بالذات .

2 ـ يأتى التأكيد بحتمية إبتلاء المؤمنين فى قوله جل وعلا  : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ )   (186)آل عمران). لم يقل جل وعلا ( نبلوكم )، وسيكون التعبير كافيا لأنه قول رب العالمين ، والمؤمن يقول ( صدق الله العظيم ). ولكن جاء التعبير هنا فى الابتلاء محملا بكل أدوات التأكيد فى اللسان العربى . جاء الخطاب  ب ( لام ) التوكيد فى أول الكلمة ، وب ( نون ) التوكيد الثقيلة فى آخرها (َ  لَتُبْلَوُنَّ  ) .

ونفس الحال فى قوله جل وعلا :  : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ )  (155) البقرة ) . هنا نفس أساليب التأكيد : لام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ  ).

  3 ـ وتأتى عناصر الابتلاء المؤكد فى الأنفس والأموال : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) هنا إبتلاء مؤكد فى فقدان الأنفس بالموت قتلا ، وبفقدان المال . ، ويأتى مزيد من التفصيل في قوله جل وعلا: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ) (155) البقرة ). هنا فقدان لبعض ( الأمن ) وبعض الفقر وما يعنيه من الجوع ونقص فى الدخل . وقتل لبعض المؤمنين .

4 ـ ويأتى الحل الالهى للمؤمنين فى التغلب على هذا الابتلاء الحتمى ليجتازوا هذا الابتلاء والاختبار بنجاح ؛ إنه الصبر والتقوى . هذا ما جاء فى قوله جل وعلا : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186)آل عمران)، وفى قوله جل وعلا فى مزيد من التفصيل:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أالبقرة) . أولئك المؤمنون الصابرون يعدهم ربهم جل وعلا بأن يُصلّى عليهم وأن يرحمهم وأن يجعلهم من المهتدين : ( أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة ).

ولذا قال لقمان لابنه أن يصبر على المصائب :( يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) لقمان )

ثالثا : التأكيد الثقيل على إبتلاء المؤمنين بالقتال خصوصا

1 ـ يصل الإضطهاد الدينى من المشركين المعتدين الى القاع والحضيض حين يقومون بطرد المؤمنين من ديارهم وسلب أموالهم وقتلهم وقتالهم . هنا يتعرض المؤمنون المسالمون الى محنتين وإبتلاءين : الهجرة ، والقتال الدفاعى عندما يستطيعون الدفاع عن أنفسهم . وكلا الابتلاءين فرض على المستطيع .

2 ــ عن إبتلاء الهجرة : فالمستضعفون المؤمنون المُعرضون للإضطهاد يدعون ربهم قائلين : ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) النساء ) . إذا عجزوا عن الهجرة فعسى أن يغفر الله جل وعلا لهم . إن تكاسلوا عنها مع قدرتهم عليها فهم خالدون فى النار : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99) النساء ).

 إذا هاجر فسيجد صعابا وتحديات فى السفر يُباح له فيها قصر الصر الصلاة ( النساء 101 : 103 ) .

ثم ستواجهه متاعب وإبتلاءات فى أرض المهجر فى الاقامة والعمل ، ولكن ستلاحقه رحمة الله جل وعلا ، وتجعله فى سعة وراحة بعد تعب وعناء ، يقول جل وعلا : ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)  النساء ).

وفى مقابل هذه الابتلاءات المترتبة على الهجرة فإن الله جل وعلا يعد المهاجر فى سبيله إذا صبر وتوكل على الله جل وعلا بحسنة فى الدنيا وحسنة أكبر فى الآخرة : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)  النحل ) .

2 ـ عن إبتلاء الحرب الدفاعية فى سبيل الله جل وعلا يصل الابتلاء الى ذروته ، لأن المؤمنين حق الايمان هم فى الأصل مُسالمون ، يكرهون الحرب ، ولكن عندما يتعرضون لاعتداء حربى يوشك أن يستأصلهم فلا بد لهم من الدفاع عن انفسهم . وكان هذا موقف المؤمنين بعد هجرتهم . فى البداية قيل لهم ( كفوا أيديكم ) عن القتال الدفاعى لأنهم لم يكونوا مستعدين عسكريا ، وكان قتالهم الدفاعى فى غير مصلحتهم ، فلما إستعدوا ، ونزل الإذن لهم بالقتال الدفاعى إعترض بعضهم وطلب التأجيل ، يقول جل وعلا عنهم :(  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) النساء ) . معظم المؤمنين كرهوا فريضة الحرب الدفاعية ، ولم يعلموا أنها خير لهم : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ) البقرة ) .

3 ـ لذا يأتى التأكيد على حتمية إبتلاء المؤمنين بالقتال الدفاعى مرتبطا بتمحيص المؤمنين خلال الجهاد والصبر ، يقول جل وعلا : (  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد )،

4 ـ وبالتقوى والصبر فى إختبار الجهاد تكون الجنة هى المثوبة ، يقول جل وعلا  : (  أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)) البقرة )، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) ) آل عمران ).

5 ــ الحرب فى سبيل الله جل وعلا الاسلام لا مثيل لها فى حروب البشر . حرب البشر فى الصراع الدنيوى تصل بالانسان الى مرتبة أحطّ من الحيوان ، وتتمثل فيها الهمجية بأبشع ما فيها ، ويدفع الثمن فيها المستضعفون ، ويفوز فيها وينجو ويكسب المستكبرون المترفون . الحرب فى سبيل الله يتجلى فيها أروع ما فى البشرية من نُبل ورقى حضارى . العدو المقاتل فى الجيش المعتدى يتم حقن دمه فى أرض المعركة لو نطق بكلمة السلام ، أو إستجار بالمسلمين ، ثم تتوقف الحرب ضد المعتدين بمجرد توقفهم عن الاعتداء ، وبمجرد توقفهم عن الاعتداء يصبح أخوة  فى الدين ( الاسلام السلوكى القائم على السلام) ، بل يغفر الله جل وعلا للمشركين المعتدين إذا إنتهوا عما هم فيه . وفى كل الأحوال فعلى المؤمنين رد الاعتداء بمثله دون زيادة ، وأن يكون إستعداهم الحربى ليس للإعتداء بل لردع المعتدى حتى لا يعتدى ، أى إستعداد حربى لتأكيد السلام ، لأن الاسلام هو دين السلام .

أخيرا

هذا الابتلاء للمؤمن إذا نجح فيه فاز بالخلود فى الجنة . إذا فشل فيه إستحق الخلود فى النار . وهنا أيضا الابتلاء الأعظم لكل البشر.  

 

 

 

 

  عناصر الإبتلاءات للبشر

 

أولا : حتمية الابتلاءات للبشر :

1 ــ الله جل وعلا خلقنا ليختبرنا فى حياة يعقبها الموت . يمارس الفرد منا حريته ومشيئته فى الايمان أو كفر ، فى الطاعة أو المعصية ، ويتعرض لاختبار النعمة والنقمة والمنحة والمحنة ، وفى كل الأحوال يتعرض قلبه للإيمان أو الكفر زيادة أو نقصا .قد يتوب مبكرا ، وقد يتوب متأخرا ، وقد يتوب عند الاحتضار . وقد يتوب وينكث توبته ، وتنتهى حياته ويكتمل إختباره بالموت . وعند الموت يرى ملائكة الموت تبشره بالجنة إن نجح فى الإختبار أو تبكته وتبشره بالنار إن فشل فى الاختبار .    

 وعن الاختبار العام لكل البشر يقول جل وعلا : (  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)  الملك ).

ثانيا : عناصر الابتلاء للبشر :

1 ـ إذن لدينا فى إختبار هذه الحياة الدنيا : الحرية المطلقة فى الايمان والكفر والطاعة والعصيان ، وما يتبع هذا من توبة أو إستمرار فى المعصية ، مع تعرضنا لمختلف المحن والنعم .

وهذه الحرية البشرية فى الايمان او الكفر تُعتبر فى حدّ ذاتها إختبارا . الله جل وعلا لا يتدخّل فى حرية الانسان ، خلقة بمشيئة حرة يختار الإيمان أو الكفر والطاعة أو المعصية ، ثم سيكون مسئولا عن إختياره ، ويكون مصيره يوم القيامة بين الخلود فى الجنة أو الخلود فى النار. هذا يوضح حجم المسئولية المُلقاة على عاتقة ، وحجم الاختبار الذى يدخله ، ولنتأمل قول رب العزة لنا : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر ). وقوله جل وعلا للعُصاة المُلحدين فى آياته : (  إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)) فصلت ).

2 ـ يزيد فى صعوبة الاختبار ما فى هذه الدنيا من زخارف وزينة تٌلهى الانسان عن الآخرة ، وتُغريه بالتصارع من أجل هذا الزُّخرف الفانى ، يقول جل وعلا عن زينة الدنيا ودورها فى الاختبار : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)  الكهف ).

ومنها الأموال والأولاد ، وهذا ما حذّر منه رب العزة فقال : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) الانفال )، (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)  التغابن ).

2 / 1 : وذكر رب العزة قصة أصحاب الجنة وإبتلاءهم ببستان من الفواكه فبخلوا بالنعمة ، ففقدوها : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) القلم)

2 / 2 : وذكر رب العزة قصة صاحب الجنتين الذى إغتر بهما فوصل الى الكفر وإنكار البعث ، وانتهت القصة بتدمير جنتيه (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً (43) ) الكهف ).

وبعدها يُذكّر رب العزة بأن هذه الدنيا مثل الزرع الذى يزدهر ثم يندثر ، وأن المال والبنون هما مجرد زينة ، والزينة تفنى ، أما الذى يبقى فهو العمل الصالح : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46) الكهف )

3 ــ ثم هناك خداع الشيطان الذى يغرُّ الانسان ، وهذا الذى حذّر منه الرحمن جل وعلا فقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) فاطر  )

4 ــ وتشريعات الرحمن إبتلاء أيضا ، ليس فقط فى حرية الانسان فى العمل بها أو إهمالها وإنكارها ، ولكن أيضا لأن الطاعة المطلوبة هنا مثل طاعة الملائكة حين أمرها الله جل وعلا بالسجود لآدم ، وكان أمرا غريبا ، فأطاعت الملائكة كلهم إلا إبليس الذى عصى واستكبر وجادل ، فإستحق اللعنة

الابتلاء
مقدمة كتاب ( الابتلاء )
كان مقالا فأصبح كتابا ..
كالعادة : سؤال يرد لى فأبحث عن الاجابة فى القرآن الكريم ، وأكتب مقالا ، فتتكشف لى حقائق قرآنية جديدة ، فيتحول المقال الى مقالات ، ثم ينتهى الأمر بكتاب . جاءنى سؤال من قرأنى تعرض لابتلاء ، فكتبت مقالا فى حتمية ابتلاء المؤمنين ، وتشعب الموضوع ليصبح هذا الكتاب .
بعد خمسين عاما من معايشة القرآن ؛ كلما إزددت منه علما إزداد إحساسى بأنى لا ازال تلميذا على ساحل التدبر فى آياته .
سبحان من أنزله نورا وهدى : (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) المائدة )
ودائما : صدق الله العظيم
more