رقم ( 2 )
الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )الفصل الثانى : إبنان لعمر بن الخطاب ضلا الطريق

 

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )الفصل الثانى : إبنان لعمر بن الخطاب ضلا الطريق

مقدمة

أنجب عمر بن الخطاب أولادا وبنات من عدة زوجات وجوارى ، أو (أمهات أولاد) بالتعبير التراثى. أكبر أولاده واشهرهم عبد الله بن عمر ( بطل قصتنا )وعبد الرحمن وحفصة وأمهم زينب بنت مظعون. ثم زيد الأكبر ورقية وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبيطالب و فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم زيدالأصغر وعبيد الله ( بطل قصتنا الآخر ) وأمهما أم كلثوم بنت جرول من خزاعة. ثم  عاصم وأمه جميلة بنت ثابت من الأنصار ، ثم عبدالرحمن الأوسط وأمه لهية أم ولد ، وعبد الرحمن الأصغر وأمه أم ولد، وفاطمة وأمها أم حكيم بنت الحارث المخزومية ، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمها فكيهة أم ولد . وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بنعمرو بن نفيل . ومن أولاد عمر جميعا أشتهر إثنان : عبد الله وعبيد الله .

مقالات متعلقة :

ضلّ الطريق الأخوان عبد الله وعبيد الله فى تعاملهما مع الأمويين  ،مع تناقضهما فى كيفية هذا التعامل ، فقد كان تأييدا بالسيف قام به عبيد الله بن عمر متحالفا مع معاوية فى صفين ضد (على )،وكان سكوتا عند عبد الله بن عمر عن مظالم الأمويين مقابل المال والعطايا . كان عبيد الله ظالما ، وكان أخوه الأكبر عبد الله ساكتا عن الظلم ، ودفع كلاهما الثمن قتلا . وإخفاق الأخوين عبد الله وعبيد الله فى تعاملهما مع الأمويين يجعلنا نتساءل عن فشل والدهما عمر بن الخطاب فى تربية أبنائه بينما كان يطارد الناس يضربهم بالدرّة . ونبدا بالأخ الأقل شهرة (عبيد الله بن عمر بن الخطاب )

عبيد الله بن عمر :

1 ـ فى أواخر خلافة عمر بن الخطاب كانت المدينة تغصّ بالرقيق الأطفال ذكورا وإناثا من السبى الذى جىء بهم من بلادهم الأصلية بعد إنتصارات الصحابة فى الفتوحات العربية . كانت العادة تقسيم الغنائم والسبى من النساء والأطفال والأسرى الكبار أخماسا ، فيتم توزيع اربعة أخماس السبى والغنائم على جنود الجيش ، ثم يرسل الباقى الى المدينة للخليفة عمر . ومنع عمر أن يوجد فى المدينة من السبى والأسرى من بلغ منهم الشباب حتى لا ينتقموا من أهل المدينة . ولكن عرض عليه المغيرة بن أبى شعبة أن يرسل اليه رجلا من السبى هو أبو لؤلؤة المجوسى كان ماهرا فى الحدادة والصنائع ، فسمح عمر باستقدامه إستثناءا من القاعدة . وجاء أبو لؤلؤة الى المدينة فوجدها تغصّ بأطفال السبى فى معسكرات خاصة بهم بعد أن رأوا قتل عائلاتهم وتفريق أمهاتهم وأخواتهم على الجنود ، ونزعهم من أحضان الامهات ، ثم تسييرهم آلاف الأميال ليؤتى بهم رقيقا للمدينة وهم فى عمر الزهور . كانوا يبكون ويشتكون ولا يأبه بهم أحد ، جاء أبو لؤلؤة للمدينة فكان يبكى لبكائهم ، وقد كان هو نفسه من قبل من السبى . وشكى أبو لؤلؤة للخليفة عمر إجحاف مولاه المغيرة بن أبى شعبه بما فرضه عليه من ضريبة يدفعها ، فرأى عمر أن سيده المغيرة لم يظلمه فيما فرضه عليه . زاد هذا من نقمة أبى لؤلؤة ودفعه الى قتل عمر . وقبيل صلاة الفجر والخليفة عمر كان على وشك أن يؤم الناس طعنه أبو  لؤلؤة المجوسى ، وحاول بعضهم الامساك به فقتل أبو لؤلؤة وجرح بخنجره عدة منهم ، وتمكن أحدهم من الامساك به من الخلف فما كان من أبى لؤلؤة إلّا نحر نفسه بنفس الخنجر . هنا قفز عبيد الله بن عمر بن الخطاب الى سطور التاريخ حين اندفع فقتل من إعتقد أنهم شركاء أبى لؤلؤة فى الجريمة .

2 ـ تقول إحدى الروايات أن عبد الرحمن بن عوف رأى السكين الذى قتل به أبو لؤلؤة عمر فقال أنه رأها مع الهرمزان ( وهو قائد فارسى سابق تم أسره فأسلم وعاش فى المدينة ) وجفينة (وكان نصرانيا من نصارى الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي وقاصأقدمه المدينة ،  وكان يعلم الكتاب بالمدينة )، وقال عبد الرحمن بن عوف لهما : ( ما تصنعان بهذهالسكين ؟ فقالا نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم ) سمع هذا عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقال لعبد الرحمن بن عوف عن تلك السكين : ( أنترأيتها معهما ؟ قال : نعم ) فأخذ عبيد الله بن عمر سيفه ودخل على كل منهما فقتله .

3 ـ وهناك رواية أخرى عن سعيد بن المسيب تقول  ان عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق هو الذى رأى الخنجر الذى قتل به أبو لؤلؤة المجوسى عمر، وأنه قال حين قتل عمر: ( قد مررت على أبي لؤلؤة قاتل عمر ومعهجفينة والهرمزان فلما بغتّهم ثاروا ، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه،  فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر. )  فوجدوه نفس الخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر .  فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن إبن أبي بكر ومعه السيف الى بيت الهرمزان ونادى عليه فلما خرج إليه الهرمزان قال له عبيد الله  : انطلق معي حتى ننظر إلى فرس لي .وتأخر عنه عبيد الله حتى إذا مضىالهرمزان بين يديه ضربه بالسيف غيلة . وقال عبيد الله : (فلما وجد حر السيف قال:  لا إله إلا الله )!. وقالعبيد الله: ( ودعوت جفينة  فلما علوته بالسيف صلّب بين عينيه) أى رسم الصليب . وتقول إحدى الروايات إن الهرمزان وجفينة كانا قد أسلما وفرض لهما عمر العطاء كبقية المسلمين . وبعد قتلهما انطلق عبيد الله فقتل ابنة صغيرة مسلمة لأبي لؤلؤة ،وأراد عبيد الله أن لا يترك سبيا بالمدينة إلا قتله ، أى يقتل كل أطفال السبى ، ولكن منعه الصحابة .

4 ـ تقول الرواية عن عبيد الله ( القاتل ) : ( فأرسل إليه عثمان فأتاه فقال ماحملك على قتل هذين الرجلين وهما في ذمتنا فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناسإليه فحجزوه عنه ) أى ردّ عبيد الله بن عمر على سؤال عثمان بالهجوم على عثمان وطرحه أرضا مما استدعى تدخل الحاضرين وأنقذوا عثمان . وتقول الرواية أن عبيد الله كان حين بعث إليه عثمان قد تقلد السيف ، فعزم عليه عبد الرحمنأن يضعه فوضعه .

5 ـ وتقول رواية سعيد بن المسيب إن عبيد الله بن عمر حين صمّم على قتل كل أطفال السبى حاججه المهاجرونالأولون ونهوه وتوعدوه فقال : ( والله لأقتلنهم وغيرهم ) ،وعرّض ببعض المهاجرين . فلميزل عمرو بن العاص به حتى دفع إليه السيف ، فلما دفع إليه السيف أتاه سعد بن أبي وقاصغاضبا بسبب مقتل جفينة ، فتصارع مع عبيد الله وأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان حتى حجز بينهما الناس. ثم أقبل عثمان قبل أن يبايعله بالخلافة في تلك الليالي وتشابك وتعارك مع عبيد الله حتى حجز بينهما الناس . وقال أحدهم وقد حضر المعركة ( جعل عثمان يومئذ يناصي عبيد اللهبن عمر حتى نظرت إلى شعر رأس عبيد الله في يد عثمان ).!

فلما استخلف عثمان دعاالمهاجرين والأنصار فقال: أشيروا علي في قتل هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق.  فافترق الناس الى رأيين:منهم من يشايع عثمان على قتل عبيد الله ، ومنهم من يستكثر قتل عمر بالأمس ثم قتل إبنه اليوم ، يقولون لجفينة والهرمزان أبعدهما الله لعلكم تريدون أن تتبعوا عمر ابنه.!  فكثرفي ذلك اللغط والاختلاف . ثم قال عمرو بن العاص لعثمان : يا أمير المؤمنين إن هذا الأمرقد كان قبل أن يكون لك على الناس سلطان فأعرض عنهم . وأخذ عثمان برأى عمرو ، ودفع دية الرجلين والبنت . ويقول أحدهم متعجبا (رأيت عبيد الله يومئذ وإنه يناصي عثمان وإن عثمان ليقول قاتلك الله قتلت رجلا يصليوصبية صغيرة وآخر من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في الحق تركك .! .. فعجبتلعثمان حين ولي كيف تركه ، ولكنني عرفت أن عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عنرأيه )

وقال آخر يصف عبيد الله بن عمر وتهوره :( ما كان عبيد الله يومئذ إلا كهيئة السبع الحرب وجعل يعترض العجمبالسيف ، حتى حبس يومئذ في السجن ،فكنت أحسب لو أن عثمان ولي سيقتله لما كنت أراه صنعبه . فقد كان هو وسعد أشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه) ، أى كان على وشك أن يقتل السبى بالسيف لولا أن قبضوا عليه وحبسوه .

وهناك رواية تنسب لعبد الله بن عمر قوله : ( يرحم الله حفصة فإنها ممن شجع عبيد الله على قتلهم )، أى يتهم شقيقته السيدة حفصة أم المؤمنين بتحريض أخيها غير الشقيق عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة والطفلة بنت أبى لؤلؤة المجوسى . وانتهى الأمر بأن أطلق عثمان سراح عبيد الله بن عمر من السجن .

6 ـ وكان ( على بن أبى طالب) يرى القصاص من عبيد الله . وقد قال علي لعبيد الله بن عمر : (ما ذنب بنت أبي لؤلؤةحين قتلتها ؟ ) ، فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول اللهعلى قتله ، لكن عمرو بن العاص كلم عثمان حتى تركه ، فكان (علي ) يقول : ( لو قدرت على عبيدالله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه )، وقالوا : ( كان رأي علي أن يقتل عبيد الله بن عمر لو قدرعليه ). وبتولى علي بن أبي طالب الخلافة أراد قتل عبيد اللهبن عمر فهرب منه إلى معاوية فلم يزل عبيد الله مع معاوية فقتل بصفين.

7 ـ  وطلب معاوية من عبيد الله بن عمر أن يتجهز ليكون فى مقدمة الجيش المرسل ليحارب عليا فى صفين ، فاستعد عبيد الله ، ونصحه مولى له فقال له : فداك أبي .! إن معاوية إنما يقدمك للموت إنكان لك الظفر فهو يلي وإن قتلت استراح منك ومن ذكرك فأطعني واعتل ( أى إدّعى المرض ) فأعرض عنه عبيد الله . ورأته إمرأته ( بحرية بنت هانئ) يتجهز ، وكان قومها من شيعة (على ) فقالت له : ما لي أراك مشمرا ؟ قال : أمرني أميري أن أسيرفي الشهباء . قالت : هو والله مثل التابوت لم يحمله أحد قط إلا قتل، أنت تقتل وهو الذييريد معاوية.  قال: اسكتي والله لأكثرن القتل في قومك اليوم . فقالت : خدعكمعاوية وغرك من نفسك وثقل عليه مكانك ، قد أبرم هذا الأمر هو وعمرو بن العاص قبلاليوم فيك ، لو كنت مع علي أو جلست في بيتك كان خيرا لك ، قد فعل ذلك أخوك وهو خير منك. قال اسكتي ، وهو يتبسم ضاحكا ، لترين الأسارى من قومك حول خبائك هذا . قالت : والله لكأنيراكبة دابتي إلى قومي أطلب جسدك  أواريه ، إنك مخدوع  ... قالأقصري من العذل فليس لك عندنا طاعة . وذهب عبيد الله إلى معاوية فجعله قائد كتيبة الشهباء كمقدمة لجيشه وهماثنا عشر ألفا وضم إليه ثمانية آلاف من أهل الشام يقودهم ذو الكلاع الحميرى ، وزحف بهم عبيد الله نحو معسكر (على ) فتصدى لهم شيعة على من قبائل ربيعة ، واقتتلوا أشد القتال ، وانهزم جيش معاوية   وقتل عبيد الله وقتل ذوالكلاع . وكان الذي قتل عبيد الله هو زياد بن خصفة التيمي .

8 ـ وأراد معاوية أن يستغل قتل عبيد الله لمصلحته كما فعل من قبل مع عثمان حين تركه يقتله الثوار ثم استخدم قميصه ليؤلب الناس على ( على ) . أراد معاوية الحصول على جثة عبيد الله ليثير به الناس ، فقال معاوية لامرأة عبيد الله : لوأتيت قومك فكلمتهم في جسد عبيد الله ابن عمر.!  فركبت إليهم ومعها من يجيرها ويؤمّنها على نفسها ويحميها ، فأتتهم، فانتسبت ، أى عرفتهم بنسبها فقالوا : قد عرفناك مرحبا بك ، فما حاجتك ؟ قالت : هذا الجسد الذي قتلتموه فأذنوالي في حمله. فوثب شباب من بكر بن وائل فوضعوه على بغل وشدوه ، وأقبلت امرأته تحمله الى عسكرمعاوية فتلقاها معاوية بسرير فحمله عليه ، وحفر له وصلى عليه ودفنه،  ثم جعل يبكي ويقول:  قتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم حيا وميتا فترحموا عليه وإن كان الله قد رحمه ووفقهللخير .! وبينما كانت أرملة عبيد الله ( بحرية بنت هانىء )  تبكي عليه بلغها ما يقول معاوية فقالت ترد عليه : ( أما أنت فقد عجلتله يتم ولده وذهاب نفسه ثم الخوف عليه لما بعد  أعظم الأمر ) . فبلغ معاوية كلامها فقاللعمرو بن العاص : ألا ترى ما تقول هذه المرأة ؟  فقال له عمرو : ( والله لعجب لك .! ما تريد أنيقول الناس شيئا ؟ فوالله لقد قالوا في خير منك ومنا ، أفلا يقولون فيك .!! أيها الرجل إن لمتغض عما ترى كنت من نفسك في غم . )قال معاوية : (هذا والله رأيي الذي ورثت من أبي ).

9 ـ واختلف الروايات فيمن قتل عبيد اللهبن عمر؛فقائل يقول قتله رجل من ربيعة ، وقائل يقول قتله رجل من همدان ، وقائل يقول قتله عماربن ياسر،وقائل يقول قتله رجل من بني حنيفة . وهناك رواية عن سعد بن الحسن مولى الحسن بن علي قال: خرجت مع الحسن بن علي ليلة بصفين في خمسين رجلا من همدان يريد أن يأتي عليا ، وكانيومنا يوما قد عظم فيه الشر بين الفريقين ، فمررنا برجل أعور من همدان يدعى مذكورا قدشد مقود فرسه برجل رجل مقتول.  فوقف الحسن بن علي على الرجل فسلم ، ثم قال : من أنت ؟ فقالرجل من همدان ، فقال له الحسن: ما تصنع ها هنا ؟ فقال : أضللت أصحابي في هذا المكان في أولالليل فأنا أنتظر رجعتهم.  قال : ما هذا القتيل ؟ قال : لا أدري غير أنه كان شديدا علينايكشفنا كشفا شديدا وبين ذلك يقول أنا الطيب بن الطيب وإذا ضرب قال أنا بن الفاروقفقتله الله بيدي . فنزل الحسن إليه فإذا عبيد الله بن عمر وإذا سلاحه بين يدي الرجل، فأتى به عليا فنفله علي سلبه وقومه أربعة آلاف . وهناك رواية أخرى تقول إن يوم الجمعة شهد قتالا شديدا وفى غمار الحرب التقى عمار بن ياسر وعبيد الله بن عمر فقال :عبيد الله أنا الطيب بن الطيب ، فقال لهعمار بن ياسر : أنت الخبيث إبن الطيب ، فقتله عمار . وفى رواية أخرى أن عبيد الله إبن عمر قطع أذنعمار يومئذ.

10 ـ وقبل أن نترك عبيد الله بن عمر نلاحظ أننا أمام شخصية ولدت وعاشت فى نقطة تحول  شهدت ذروة الاسلام ، وبداية أفوله أيضا ، وانعكس الأفول عليه أكثر. أبوه عمر بن الخطاب ، وأخته أم المؤمنين حفصة ، وربما كان طفلا عندما مات النبى محمد عليه السلام ، ولكن عبق سيرته الطاهرة أضاعته خطيئة الفتوحات ، فلم يستفد شيئا من عصر الرسالة،بل تأثر بالوضع الجديد الذى جاءت به الفتوحات ، نظر للسبى على أنه ممتلكات له الحق فى ذبحها ليخفف من غضبه . هذا الشاب لم يعرف المبدأ الاسلامى القائل (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )، كأنه لم يقرأه مكررا ومؤكدا فى عدة آيات .انطلق بحمية الجاهلية يقتل الأبرياء،ولو تركوه لأقام مذبحة لأطفال السبى المساكين .!.ثم يصارع وهو شاب ويصرع شيوخا فى سنّ أبيه لهم مكانتهم ( عثمان وسعد بن أبى وقّاص )، ويتناول كبار المهاجرين بلسانه . وفى النهاية يفلت من العقاب ، حتى لم يدفع الدية من ماله ، بل دفعها عنه عثمان . وكان هذا بداية الوهن فى خلافة عثمان . وبعد قتل عبيد الله نتوقف مع أخيه الأكبر عبد الله.

عبد الله بن عمر بن الخطاب

1 ـ فى إيجاز فإن حياة عبد الله بن عمر قد طالت أكثر من أخيه الأصغر فشهدت ذروة الاسلام وذروة عطائه الشخصى فى هذه الفترة ، ثم إستكان وأسلم نفسه للظلم القائم فى فترة الظلم الأموى وغياب الاسلام . بدأ عبد الله بن عمر حياته بالإسلام والتحرك الإيجابي مع أبيه عمر بن الخطاب ، ثم آثر في الفتنة الكبرى والحكم الأموي أن يعتزل السياسة مع الحرص علي الاستفادة من الحكم القائم. لقد أسلم عبد الله مع أبيه عمر بن الخطاب في مكة ولم يكن قد بلغ الحلم ، وحاول الاشتراك في معركتى بدر وأحد ولكن رده الرسول صلي عليه وسلم لصغر سنه، واشترك في المعارك حين استوي شابا ، وفي فتح مكة كان في مقدمة الجيش وهو في العشرين من عمره فأثني عليه النبي صلي الله عليه وسلم حسبما تقول الروايات . وواصل ابن عمر عطاءه الإيجابي في خلافة  أبي بكر وعمر ، وحين طعن أبو لؤلؤة المجوسي الخليفة عمر قام عمر بترشيح ستة من كبار الصحابة وعهد إليهم باختيار أحدهم وجعل معهم ابنه( عبد الله بن عمر) علي أن يكون له حق التصويت دون الترشيح، وجعل لصوته الفيصل النهائي إذا اختلفوا .. وبهذا بلغت إيجابية عبد الله بن عمر مداها ..

2 ـ  ثم بدأ ابن عمر في الاعتزال حين شعر باختلاف سياسة عثمان عن نهج عمر، ولقد أراد عثمان أن يجعله يقضي بين الناس فقال له : لا أقضي بين اثنين ولا أؤم اثنين ، ثم تطور الأمر بمقتل عثمان ودخول المسلمين في الفتنة الكبرى،وقد شارك قسم من المسلمين فيها لنصرة الحق بقيادة ( علي) ومعه عمار بن ياسر، واعتزل سعد بن أبي وقاص الفتنة نهائيا .واكتفي ابن عمر بتأييد المنتصر القائم في الحكم وهو يعلم أنه ظالم ، وكانت تلك سياسته مع الأمويين يعتزل القتال ويؤيد المنتصر ويقبل هداياه . لقد رفض ابن عمر أن يكون زعيما في الفتنة ، قال له مروان ابن الحكم :هل نبايعك فإنك سيد العرب وابن سيدهم ، فقال له ابن عمر : كيف أصنع بأهل المشرق ؟ قال تضربهم حتى يبايعوا فقال ابن عمر : والله ما أحب أن تكون لي وأقتل في سبيلها رجلا واحدا.

3 ـ اكتفي ابن عمر بمبايعة من يصل إلي الحكم ، وقد قال : ما بايعت صاحب فتنة ، ولذلك رفض مبايعة ابن الزبير، وحين غلب عبد الملك بن مروان بن الحكم واجتمع عليه الناس كتب إليه ابن عمر :" إني قد بايعت أمير المؤمنين بالسمع والطاعة.. وإن أولادي قد أقروا بذلك " بل إنه بايع يزيد بن معاوية في حين رفض البيعة له الحسين وابن الزبير وابن عباس ، وحين بايعه ابن عمر قال : إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا!! وحين ثارت المدينة علي يزيد بن معاوية جمع ابن عمر أولاده وحذرهم من نكث البيعة ليزيد وقال لهم " فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرعن أحد منكم في الثورة علي الأمويين " ورأي ابن عمر انتهاك الأمويين للمدينة وشنائعهم فيها فاستمر علي عزلته ، وكان يصلي خلف الجميع وهم دونه في المنزلة ، وكان يقول " لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب "!!. وقيل عنه : "إن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلي خلفه وادي إليه زكاة أمواله " وقد قالوا له " أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال : من قال حي علي الصلاة أجبته ومن قال : حي علي قتل أخيك وأخذ ماله قلت : لا" ..

4 ـ وفي نفس الوقت كان ابن عمر يقبل الأموال والهدايا من أصحاب الفتنة الظالمين، أي لم يعتزل تماما مثلما فعل سعد بن أبي وقاص ، واشتهر عنه قوله " لا أسأل أحدا شيئا ولا أرد ما رزقني الله " وقد بعث إليه عبد العزيز بن مروان بأموال فقبلها وقت أن كانوا يحاربون ابن الزبير والخوارج ، وحين أراد معاوية البيعة لابنه بعث لابن عمر بمائة ألف دينار فأخذها، ولذلك بايع يزيد وتمسك ببيعته ..

5 ـ  وقد اتبع الأمويون معه سياسة العطاء وسياسة التهديد معا ، فكان معاوية يهدده بالقتل ليخيفه ثم ينكر أنه قال ذلك حين يعلم أن ابن عمر قد أصابه الرعب ، ثم توسع الأمويون في هذه السياسة حيث تولي الحجاج بن يوسف ولاية الحجاز لعبد الملك بن مروان .. فكانت نهاية ابن عمر علي يديه . كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ثم كان الحجاج يؤخر الصلاة عن موعدها لأنه كان يطيل في خطبة الجمعة ، إذ حوّل الأمويون خطبة الجمعة الى منشور سياسى ، فغضب ابن عمر ولم يتحمل تضييع الصلاة ، فلم يعد يصلي خلف الحجاج فاشتد عليه الحجاج وهدده قائلا : " لقد كنت هممت أن اضرب عنق ابن عمر "!! وادعي الحجاج أن ابن الزبير قد حرف القرآن ، فثار ابن عمر في وجه الحجاج وقال له : كذبت ما يستطيع ذلك ولا أنت معه، فقال له الحجاج: اسكت فإنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يؤخذ فتضرب عنقه فيجر وقد انتفخت خصيتاه ، يطوف به صبيان البقيع ".!!

6 ـ وأدرك ابن عمر في النهاية أنه قد أخطا ، فقد أدت سياسته في السكوت على الظلم إلي إستفحال وشيوع الظلم الأموي وتضيع الصلاة واتهام القرآن ، ثم أدت إلي استهانة الأمويين به. وقد دس له الحجاج رجلا طعنه في الحرم برمح مسموم في قدمه ، فسقط مريضا ، وجاءه الحجاج يقول له : لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه ، فقال له ابن عمر : أنت الذي أصبتني . وخرج الحجاج يتندر عليه قائلا : إن هذا يزعم أنه يريد أن نأخذ بالعهد الأول ... أي بعهد النبي عليه السلام !! وهو علي فراش الموت كان عبد الله بن عمر يقول : ما آسي من الدنيا إلا علي ثلاث:  ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا !! 

الخاتمة

1 ـ رسالة الاسلام الذى نزل بها القرآن وجاهد بها خاتم المرسلين كانت نقطة مضيئة وسط ظلام الجاهلية وظلام العصور الوسطى . ومالبث الظلام أن طغى شيئا فشيئا بمجرد موت النبى ، فبدأ الاسلام ينحسر من واقع الصحابة بالفتوحات والفتنة الكبرى ، وتحول الى مجرد وسيلة للإستغلال السياسى ، وهو حتى الآن يتحمل وزر المتاجرين به من الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين الى الوهابيين والاخوان المسلمين والسلفيين. غاب الاسلام الحقيقى عن واقع المسلمين وتوارى داخل القرآن المحفوظ من لدن الرحمن ليكون حجة على الناس الى يوم القيامة.

2 ـ وربما يكون عبيد الله بن عمر القاتل أقل جرما من أبيه عمر بن الخطاب الذى إستباح قتل وسبى وسلب واسترقاق شعوب بأكملها لم تقدّم له سيئة ، وارتكب كل هذا باسم الاسلام ، والاسلام دين العدل والقسط والسلام والاحسان ورسوله أرسله رب العزة رحمة للعالمين وليس لغزو واحتلال وظلم المساكين . ولكن الأديان الأرضية التى نشأت بين المسلمين متأثرة بتلك الفتوحات تؤله الخلفاء ( الراشدين ) ..ولا تزال .. ولذلك فإن كلامنا لايعجبهم ، لأن الذى يعجبهم أن يكون الاسلام دين الغزو والقتل والسبى والسلب والاستبداد والبغى والظلم ..

هذا مع إن الله جلّ وعلا لا يحب الظالمين ولا يريد ظلما للعباد .!!

المقريزى وثقافة الفتوحات فى عصرنا
مقدمة
1 ـ مقال ( المسكوت عنه من تايخ عمر فى الفكر السّنى ) لا يزال مثيرا للجدل ومؤلما للسنيين ، ودليلا على عمق التقديس لعمر بن الخطاب . لذا كتبت مقالين إضافيين عن أزمة عمر ومأزق من يؤمن به ، أى فى إثبات تأليه ( عمر ) لدى السنيين ، وفى إثبات ردّته عن الاسلام بسبب قيامه بالفتوحات . إستلزم هذا أن نتوقف مع الفتوحات وتأثيرها الثقافى والدينى المناقض للاسلام من خلال تحليل ما كتبه المقريزى عن إضطهاد المصريين ( الأقباط ) بعد الفتح .
2 ـ هذه المقالات نجمعها الآن فى هذا الكتاب :(المقريزى وثقافة الفتوحات فى عصرنا).
وفيه نبدأ بالباب الأول ويتضمن ما جاء عن عمر بن الخطاب ، ثم يأتى الباب الثانى عن رصد المقريزى لاضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر بما يكشف تحامله على المصريين . ويتوقف الباب الثالث عن ثقافة المقريزى وتأثيرها الراهن فى عصرنا . فثقافة المقريزى أو ( ثقافة الفتوحات) هى السائدة فى عصرنا مع علوّ النفوذ السلفى بما يهدد حاضر المسلمين ومستقبلهم . وهى تلك الثقافة التى أنتجتها الأديان الأرضية للمسلمين والمتأثرة بالفتوحات ، والتى ظهرت فى هجوم الغوغاء السلفيين والاخوانيين على السفارات الأمري
more