رقم ( 13 )
رابعا:الانحلال الخلقى فى المولد الأحمدي

 

ف 2 : رابعا : الانحلال الخلقى فى الموالد الأحمدية

إذا فسدت العقيدة فسدت الأخلاق .. وقمة الأخلاق الحميدة تتمثل فى التقوى الإسلامية , كما أن بداية الفساد الخلقي للصوفية تتمثل فى فى أنهم جعلوا من اهوائهم شرعاً أو مصدراً للتشريع , فقد شرعوا لأنفسهم الموالد عيداً وجعلوها عنصراً دينياً ، ثم لم يتورعوا عن الوقوع فى الإثم من خلالها ، ثم ما لبثوا أن سوغوا ذلك وبرروه بشتى التأويلات وفنون التخريجات .

الانحلال فى الموالد الأحمدية

1 ـ لقد أصبح مولد البدوي والموالد الأحمدية أكبر بؤرة للفساد فى مصر المملوكية ولم تمنع مكانة البدوي وخلفائه من الإنكار على ما يقع فى مولده من الإثم والفجور , ولم تكن السلطات المملوكية لتتهم بما يحدث فى طنطا إلا بعد أن تولى السلطان جقمق سنة 842 وقد وصفه ابوالمحاسن بأنه" كان شديداً على من يفعل المنكرات فكسدت فى عصره حال أرباب الملاهى والمسكرات [1] " وفى عصر جقمق تزعم الفقهاء العلامة برهان الدين البقاعي كثائر ضد الصوفية وانحلالهم  الديني والخلقى وهو صاحب ما يعرف فى المراجع التاريخية المملوكية " بكائنة البقاعي وابن الفارض " .. وقد كان للبقاعي دور فى اطلاع جقمق على ما يجرى فى مولد البدوى من انحلال خلقي شاع وذاع وملأ الأسماع فأصدر الظاهر جقمق أمراً بإبطال المولد الأحمدى سنة 801 ، وبسبب هذا الحادث تجرأ المؤرخون فأثبتوا ما يقع فى المولد من انحراف فالسخاوي  يقول أن المولد الأحمدي " كانت تتخذ فيه أماكن تعد للفساد فى تلك الأيام لكثرة الجموع ) [2] .

2 ـ  ثم اضطر الصوفية لإثبات هذا الحادث يقول الحلبى عن المولد " وصار له يوم مشهود ويقصده الناس من النواحي البعيدة , وشهرة هذا المولد فى عصرنا هذا تغنى عن وصفه , وقد قام جماعة من العلماء وممن يتدين فى الأمر بإبطاله لأمور عرضت فيه منها وجود النساء الخطايا واختلاط بعض الفساق بهن فلم يتهيأ لهم إبطاله إلا سنة واحد وخمسون وثمانمائة وكان ذلك فى زمن السلطان جقمق , وكانوا قد أنهوا إليه أن فى مولد سيدي أحمد البدوي يقع فيه محرمات ومفاسد كثيرة بسبب اختلاط الرجال بالنساء [3] "

وقد عرض عبدالصمد لإبطال المولد وقال أنه أبطل سنة 852 , ولم يذكر السبب ثم فصل القول فى موقف من توقف عن القضاء عن الافتاء بإبطال المولد كيحيى المناوى الذى قال " أما أنا فلا سبيل إلى أن أكتب على الفتيا بإبطاله أبداً بل أفتى بمنع المحرمات التى تحضر فيه ومولانا السلطان يرسل خاصكياً او أميراً من جهته يمنع المحرمات التى تحضر فى المولد ويبقى المولد على حاله "[4]

3 ـ ويبدو أن الناس فى هذا العصر قد أدمنت الانحراف فى موسم المولد فلما أبطل المولد فى عام 851 أقاموا مولداً آخر قريباً من طنطا ليمارسوا فيه الإثم يقول السخاوي" عندما أبطل الظاهر جقمق مولد البدوي عمل شخص يسمى رمضان بناحية محل البرج بالقرب من المحلة الكبرى المولد ووقع فيه فساد كبير على العادة " [5]

4ـ وقد نافس مولد الانبابي في انبابه مولد البدوي فى طنطا فى مجال الانحلال الخلقي . ولأنه يقع على مشارف القاهرة فقد حظى باهتمام المؤرخين خصوصا مولد سنة 790 هجرية وهى السنة التى مات فيها إسماعيل الإنبابى خليفة البدوى فى إنبابه . يقول المقريزى عن هذا المولد " كان فيه من الفساد ما لا يوصف ووجد من المزارع مائة وخمسين جرة خمر فارغة سوى ما حكى عن الزنا واللواط "[6]

ويقول ابن الفرات عنه " فى مولد الشيخ إسماعيل بن يوسف الإنبابي حصل فيه من الفساد ما لا يحصى من كثرة الفساد والفساق حتى أشيع انهم وجدوا فى ثانى يوم فى الزرع مائة وخمسين جرة فارغة من جرار الخمر , وفتحت مئات بكورة ( أى أبكار ) وكان يعمل هذا المولد كل سنة ويحضر إلى مولده ما لا يحصى من القاهرة ومصر والضواحي والبلاد " [7] .

وكرر ابن حجر ما تواتر عن المولد وبقايا الجرار الفارغة مع الزنا واللواط (والتجاهر بذلك ) وقال عن إسماعيل أنه " انقطع بزاويته ثم صار يعمل عنده الموالد كما يعمل بطنطا ويجعل فيه من المفاسد والقبائح ما لا يعبر عنه " [8]

يقول ابن الصيرفي فى نفس الموضوع " عمله على عادته فى زاويته , واتفق فيه من المفاسد والقبائح ما لا يمكن شرحه حتى أن الناس وجدوا من الغد فى المزارع من جرار الخمر عدة كثيرة تزيد عن ألف جرة سوى ما شربوه فى الخيم ، وأما ما حكى من الزنا واللياطة فكثير حتى أرسل الله تعالى عليهم فى تلك الليلة ريحا كادت تقتلع الأرض بمن عليها ، ولم يجسر أحد من التعدية فى النيل فأقاموا بذلك البر أياماً حتى سكن الريح .. وقد توفى اسماعيل فى هذه السنة " [9]

وفى النهاية يقول أبو المحاسن عن المولد وصاحبه " صار يعمل المولد فى كل سنة  فيأتيه الناس من الأقطار وترحل إليه من الأطراف ، وتخرج إليه أهل مصر والقاهرة وتضرب بزاويته الخيم ، ويعقد سوق ويجتمع من النسوان والشباب خلق كثير ، فذكروا أنه عمل المولد على عادته فى شهر ربيع الأول سنة 790 فهرع الناس لحضور المجتمع حتى غض الفضاء بكثرة العالم وتنوعوا تلك الليلة فى الفسوق لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة فتواتر الخبر بانه وجد فى صبيحة تلك الليلة من جرار الخمر التى شربت بالليل فوق الخمسين فارغة ملقاة حول الزاوية فى المزارع ، وافتضت فى تلك الليلة عدة أبكار، وأوقدت شموع بمال كثير ،  فبعث الله فى يوم الأحد بكرة صباح المولد قاصفا من الريح كدرت على من كان هناك وسفت فى  وجوههم التراب واقتلعت الخيم ولم يقدر احد على ركوب البحر ولم يعد يعمل مولداً بعدها فان الشيخ مات فى آخر شعبان سنة 790 [10]

5 ـ إلا أن موت الشيخ لم يؤثر على انعقاد المولد فكان يعقد سنوياً إلى القرن العاشر حتى سجله المؤرخ ابن إياس فى كل عام يؤرخ له من السنوات التى عاشها فى النصف الأول من هذا القرن .

وفى القرن العاشر تمت للتصوف السيطرة الكاملة على الحياة المصرية الدينية والخلقية والثقافية ، وما كان مستوجباً للإنكار فيما قبل أصبح فى عصر الشعراني وابن إياس شيئا عاديا طبيعيا . ويظهر ذلك فى حديث ابن إياس المتكرر عن مولد الإنبابي .. يقول مثلا فى حوادث صفر 913 " كانت ليلة سيدي اسماعيل  الأنبابي ونصبت الخيام فى الجزيرة التى تجاه بولاق وخرجت الناس فى تلك الليلة عن الحد فى القصف والفرجة وكانت ليلة حافلة " وفى العام التالى قال " فى ليلة سيدى اسماعيل الانبابي كانت ليلة حافلة وضربت فى الجزيرة نحو خمسمائة خيمة وخرج الناس فى القصف والفرجة عن الحد " وكرر نفس الكلام فى العام التالى سنة 916 ، وهكذا [11]   أى أصبحت ليلة الإنبابي مناسبة سنوية " يخرج الناس فيها عن الحد " فى المجون والعبث دون استنكار أو احتجاج .

6 ـ وهناك فى الصعيد كان يقام مولد لأبى الحجاج الأقصري .. وهو عضو فى الحركة الشيعة  السرية .. وقد قال فيه الأدفوي " ادعى أتباعه أنه عرج به للسماء وفى مولده السنوي كان عيداً تحضره أصحاب الشنوف والشبابات والدفوف وتختلط الرجال بالنسوان ويجتمع فيه الشباب والمردان وهى من الأمور  الفظيعة والبدع الشنيعة [12]  " ولو كان الأدفوي من مواليد القرن العاشر وما تلاه لما جرؤ على أن يقول هذا الكلام .

الأضرحة والانحلال الخلقى

1 ـ على أن الأضرحة الصوفية كانت مدعاة للخلوة المحرمة ومكانا للتلاقي الآثم كما كانت الموالد مواسم زمنية لممارسة الانحلال الخلقى ، فأصبحت القرافة بما تضم من أضرحة وقباب مواطن مستمرة للانحلال الخلقي فى العصر المملوكي حتى إن النداء كان يتكرر دون جدوى بمنع النساء من الخروج للقرافة لتحاشي ما يقع فيها من فسوق ، واستمرت القرافة بقباباها وأضرحتها تؤدى دورها المزري حتى عصرنا الحديث يقول أحمد أمين فى قاموس العادات المصرية " وكان الناس عادة يبيتون فيها وكانت تحدث فظائع من هذا المبيت ولذلك منعته الحكومة المصرية [13]" .

2 ـ وفى العصر المملوكى كان بعض السلاطين يعين الحرس لطرد بعض طلاب المتعة من اتخاذ قبته التى سيدفن فيها ففى وثيقة وقف السلطان حسن " يرتب عشرة من الخدام الادبة الثقاة الأمنا يقيمون بالقبة المذكورة لحفظها وصيانتها ممن يتطرق إليها من أهل التهم والفساد على جارى عادة أمثالهم فى مثل ذلك [14] " أى اتخذوا من القباب بحكم العادة موطناً للانحراف الخلقي .

ويقول الشعراني فى ترجمة أبى الحسن بن الصائغ " حكى أن شخصاً أراد أن يفعل فاحشة فى أمرد فى مقبرة الشيخ أبى الحسن فصاح الشيخ من داخل القبر : أما تستحى من الله يا فقير [15] "أى الفاعل هنا فقير صوفى .. أى أن الصوفية أنفسهم كانوا رواداً لهذا الإثم فى القباب التى هم قائمون على أمرها ، وإن هذا الإثم اتخذ عادة حتى اضطر الصوفية الكبار ممن لا يهوى هذا النوع من المجون إلى تأليف الكرامات التى تحذر من ذلك وإسنادها إلى الحسن ابن الصائغ بعد موته . وقد عرف الحسن بن الصائغ فى حياته بتحرزه من اتخاذ زاويته موطناً للشذوذ الجنسي كما اعتاد بعض الصوفية ، فهو القائل " لا ينبغي لشيخ رباط الفقراء أن يدع الشباب المرد يقيمون عنده إذا خاف من إقامتهم مفسدة على بعض الفقراء لا سيما جميل الصورة من الشباب " [16]، ويذكر أن المتبولى شيخ الشعراني يبدو فى ترجمته فى الطبقات الكبرى أنه ممن اتخذا زاويته وكراً لهذا النوع من الانحرافات ، وكان متهما به [17].

نعود للصوفية الأحمدية ونذكر أنهم لم يتخلفوا عن الركب فصارت قبابهم موطناً للانحلال أسوة بغيرها ، يروى عبد الصمد عن الشعراني قوله " ومما شهدته من كراماته ـ أى كرامات عبد العال ـ فى سنة سبع وأربعين أن شخصاً راود امرأة عن نفسها فى قبة سيدى عبد المتعال فسمّره ويّبس أعضاءه فصاح حتى كاد أن يموت فأخبروني به فمضيت إلى ضريحه وأمرت بعض الفقراء أن يسأل سيدي عبد المتعال فى الصفح عنه فقرأ الفاتحة ودعا الله فانتشرت أعضاءه وتاب وصار من الفقراء الملاح " [18] ، أى بعد أن انتشرت (أعضاؤه ) وتأدب ( صار من الفقراء الملاح )، وقبل ذلك  لم يكن من الفقراء أى الصوفية ( الملاح ).  ويبدو من النص أن قبة عبد العال الأحمدى كانت داعية للخلوة المحرمة إذا وجدت فيها امرأة ، وأن وجود امرأة فيها كان باعثا للصوفي إذا انفرد بها على أن يفكر فى الإثم ، ولم تكن النساء ممنوعة من دخول القباب ، وللقباب تاريخ طويل فى الانحراف أشرنا إليه ، فاضطر الصوفية لسبك هذه الكرامة التى تشي بما يحدث فى القباب ليحاولوا بها التخفيف أو المنع مما يحدث فيها .. ولو كانوا جادين مثلا لمنعوا دخول النساء للقباب على أى صورة ، ولكن اكتقوا بتأليف الكرامات وأسندوها للشيخ المقبور ، وهى على أى حال تزيد من الاعتقاد فيه .

نعود للشعراني وقد حكى عن نفسه أنه حين دخل بزوجته ( أم عبد الرحمن ) عجز عنها ، فظلت إلى جانبه بكراً خمسة شهور ، ثم أنقذ الموقف فى قبة البدوي ، يقول " ولما دخلت بزوجتي فاطمة أم عبد الرحمن وهى بكر مكثت خمسة شهور لم أقرب منها فجاءني ـ أى البدوى ـ وأخذني وهى معي وفرش لى فرشاً فوق ركن القبة على يسار الداخل وطبخ لى حلوى ودعا الأحياء والأموات إليه وقال : أزل بكارتها هنا ، فكان الأمر فى تلك الليلة [19]" وواضح أن الشعراني كأى رجل يواجه هذه المشكلة خمسة شهور قد جرب كل الوسائل ليثبت رجولته أمام زوحته البكر ، ثم كانت أنجح وسيلة أن يتم (الفتح ) عليه فى قبة البدوي بما للقباب الصوفية من إيحاء جنسي وتاريخ طويل فى تلاقى العشاق ، ونجحت هذه الطريقة فصاغها الشعراني كرامة للبدوي ودعاية لشخصه كتابع أثير ومفضل لدى قطب الأقطاب أعظم أولياء مصر فادعى أنه أخذه و(أم عبد الرحمن ) وجهز لهما فى قبته الفراش وطبخ لهما الحلوى ودعاه لمواقعة " أم عبد الرحمن " .. وهنيئا لك أم عبد الرحمن ، فقد تم "اللقاء " بعد طول " عناء " فى قبة " سيد الأولياء " .!.

وقد رأينا الشعراني نفسه هو الراوي لحكاية اعتراض الولى المقبور على ما يحدث فى قبته من فجور الصوفية بالصبيان والنساء فجعل ابن الصائغ يصرخ من قبره فيمن حاول الأثم مع صبي وجعل عبد العال يعاقب من راود امرأة فى قبته ، ولا ينبغى أن نتخذ من ذلك دليلاً على جدية الصوفية فى حرب المنكرات التى تقع فى موالدهم وقبابهم بدليل أن الشعرانى نفسه لجأ لأعظم وأقدس قبة عند الصوفية وهى قبة البدوى ليحل مشكلته مع ( أم عبد الرحمن )، فهذا الفعل الجنسى ، حتى ولوكان حلالاً فلا ينبغى الإتيان به فى مكان مقدس مطهر عند أتباعه، اللهم إلا إن كان المكان المقدس لا يمانع أصحابه أنفسهم فى اتخاذه ملاذاً للمتعة حلالاً كانت أم حراماً ، فهم المشرعون ، وطالما نصبوا من أنفسهم محللين ومحرمين وتركوا شرع الله تعالى فإن الشيطان هو المصدر الحقيقى الذى يستقون منه التشريع ، فالشيطان هو الذى سوغ لهم ما تريده أهواؤهم ، وهو الذى أسبغ عليها شتى التعليلات والتخريجات ، (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ .. (3) محمد) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) محمد) (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) محمد).

مسئولية الصوفية فى الانحلال الخلقي فى الموالد :

وقد يعترض البعض بأنه لا شأن للصوفية فيما يحدث من انحراف خلقي فى الموالد . وكم كنا على استعداد لتصديق هذا الزعم لولا أن المصادر الصوفية نفسها تأبى ذلك .

 

1ـ فالصوفية يؤمنون بشفاعة الأولياء لأتباعهم ، وأولياء الصوفية يعلنونها صراحة ، فالدسوقي يقول فيما يرويه عنه الشعراني " أنا بيدي أبواب النار غلقتها وبيدي جنة الفردوس فتحتها ، من زارني أسكنه جنة الفردوس [20] أى من زار مولد الدسوقي أسكنه الدسوقي جنة الفردوس التى يحتفظ بمفتاحها فى جيبه ، والبدوي عند الصوفية أعظم شأنا من الدسوقي فلابد أن تكون شفاعته أكبر ، ولأن مولد البدوي أضخم من مولد الدسوقي والانحراف فيه أشد فالمنتظر أن تتوجه شفاعة البدوي لتكون فى خدمة من ( يبالغ فى الاختلاط بالنساء ) فى زحمة المولد حيث ( البساط أحمدي ) .

يقول الشعرانى ( أخبرني شيخنا محمد الشناوي أن شخصا أنكر حضور مولده فسلب الإيمان فلم يكن فيه شعرة تحن إلى دين الإسلام فاستغاث بسيدي أحمد فقال : بشرط أن لا تعود ، قال نعم ، فرد عليه ثوب إيمانه ثم قال له : وماذا تنكر علينا قال : اختلاط الرجال والنساء فقال له سيدي أحمد : ذلك واقع فى الطواف ولم يمنع أحد منه ثم قال : وعزة ربى ما عصى أحد فى مولدى إلا وتاب وحسنت توبته وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك فى البحار وأحميهم من بعضهم بعضا أفيعجزنى ربى عن حماية من يحضر مولدي [21] )  ففى هذا النص دفاع عن الانحراف بثلاثة أوجه :

 أولا: إن " الاختلاط " واقع فى الطواف حول الكعبة ولم يمنع منه أحد وضريح البدوي كالكعبة والحج إليه كالحج لبيت الله الحرام ، وما يجوز هناك يجوز هنا .

ثانيا: أن تصريف البدوي يصل إلى حد مقدرته على فرض التوبة على من عصى فى المولد فسرعان ما يتوب بعدها .. ثم يعود للعصيان فى المولد ويتوب بعدها وهكذا ،فلا حرج على رواد المتعة فى المولد الأحمدي والبدوي بيده مقاليد التوبة يهبها لزواره بعد أن يأخذوا حظهم من المتع فى المولد .. فالانحراف مستمر والتوبة أيضا مستمرة والمولد طبعاً مستمر .

ثالثا: ثم إذا تأزمت الأمور فتصريف البدوي عظيم وإذا كان يصل بقدرته إلى التحكم فى الوحوش فى الغابات والأسماك فى البحار ألا يستطيع أن يشفع لزواره ويحميهم من العقاب ؟؟ فلا عليكم يا زوار البيت " الحرام " فى طنطا فذنبكم مغفور مقدماً. أما أنت أيها المعترض على ما يحدث بالمولد فجزاؤك أن يحل بك غضب البدوي فيسلبك حلاوة الإيمان ..

وفى ذلك يقول أحدهم :

        وأعجب شيئ أن من كان عاصياً               بمولده يعنى به  ويرفق[22] .

  ويبدو أن حدة الانحراف فى المولد الأحمدي بطنطا قد اشتدت فى العصر العثماني حتى اضطر عبدالصمد لتبرئة البدوي مما يحدث فى مولده ، وكان أولى به أن يطالب بمنع المولد نفسه لو صدق مع الحق ، يقول " إعلم رحمك الله تعالى أنه قد يعترض بعض الناس على سيدي أحمد البدوي ويقول : إذا كان له هذا المدد العظيم والتصريف النافذ بعد الموت أيضا فكيف لا يتصرف فى دفع أصحاب المعاصي عن حضوره ؟ فإعلم رحمك الله تعالى أن الجواب عن هذا من وجوه :

أحدها: أنه خرج عن دائرة التكليف بإنه  فى مقام لا تكليف فيه وهو البرزخ .

الثانى:أنه قد يكون من عناية ربه أن من حضر مولده بمعصية يتوب الله عليه ولو بعد حين .

الثالث: أن الغالب على حال سيدي أحمد  بعد وفاته البسط [23] " .

أى الأنبساط و " الأنشكاح " وطالما كان البدوي مبسوطا " فلن يستوحش من أكثر الأشياء ولا يؤثر فيه ما يحدث عنده " حسبما يقول عبدالصمد [24] خاصة وقد خرج عن دائرة التكليف وهو فى البرزخ ، وإن كان ذلك لا يؤثر فى تصريفه وشفاعته فيمن يعصي فى مولده ، وطبعا فإن ما يقوله عبدالصمد هو دفاع هزيل وحجج متناقضة قصد بها أن يدافع عن شيخه حتى لا يصل الإنكار إليه ولا يتحول من إنكار على " معاصي المولد " إلى إنكار على" صاحب  المولد " .

2ـ  على أن هناك فارقاً بين العاصي العادي والعاصي الذى يقارف الذنب معتقداً أن شيخه سيشفع له أو باحثاً عن تأويلات وتبريرات المعصية التى يدمنها : فالعاصي العادي يقر ويعترف بخطئه وأن ما يفعله فسوق هو أقرب للتوبة إلى الله فلا وساطة بينه وبين ربه ،أما الصوفي الذى يحلّ المعصية ويصبغ عليها الأعذار وينشد الشفاعة فلا أمل فى توبته لله لأنه جعل واسطة بينه وبين الله ، ثم أعلن أن تلك الواسطة تبارك معصيته وتشفع له ، ومن هنا نفهم أن المشرك لا أمل له فى غفران الله فكل ما يصدر عن المشرك من معاصي لا مجال فيها للتوبة طالما ظل مشركاً .. لأن عقيدته كفر فى أساسها  وليس بعد الكفر ذنب ، وكل ما يصدر عن الكفر من ذنوب لا علاج لها إلا بمحو الشرك والكفر أولاً .. وبعدها نتكلم عن الأخلاق فبهذا بدأت دعوة الإسلام فى مكة المنحلة دينياً وخلقياً فبدأت بتطهير العقيدة وإذا طهرت العقيدة طهر معها الجسد .. ونأمل أن يستفيد المعاصرون من هذا الدرس فلا يقصروا الأصلاح على علاج ما يحدث فى المولد مع بقاء المولد ، بل لابد إن أرادوا الإصلاح فعلا أن يبطلوا الموالد وسائر ما أحدث من تشريع وبدع تناقض شرع الله ، وحينئذ يستقيم الناس لشرع الله فى العقيدة والسلوك والأخلاق ، فالله تعالى حين انزل شرعه للناس كان الأعرف بهم الأعلم بما يصلحهم " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ " .

3 . والواقع أننا نكلف الصوفية الأحمدية شططاً إذا طالبناهم بإصلاح أتباعهم ودعوتهم للخلق القويم فى الموالد وعند القباب ، ليس فقط لأن إصلاح هذه الجماهبر الغفيرة أمر متعذر ، وليس فقط لأن هدف الأحمدية الأساسى منصب على الترويج للمولد والدعاية له طمعاً فى النذور .. ولكن لأن الصوفية الأحمدية هم فى الأصل أكثر انحرافاً وانحلالاً وأولى الناس بإصلاح أنفسهم والأحوج إلى الوعظ والإرشاد ..

ونحن لا نتجنى على الصوفية الأحمدية ورفاقهم من أتباع الدسوقي " الفقراء الإبراهيمة" فقد زاعت شهرتهم فى مجال الانحلال الخلقي حتى إضطر الشعراني فى القرن العاشر للإنكار عليهم وقد عهدنا الشعراني مدافعاً عن التصوف بوجه عام والمولد الأحمدى بوجه خاص .. ولكن الغلو فى الانحلال الخلقى للفقراء الأحمدية والبرهامية وغيرهم دفعه دفعاً للإنكار عليهم حفظاً للطريق الصوفي من أن يمتد الإنكار من مجرد إنكار على الطوائف المنحرفة إلى إنكار على دين التصوف من اساسه .

يقول الشعراني أن الفقراء الأحمدية " أتباع البدوي " والبرهامية " أتباع الدسوقي" والقادرية " أتباع عبدالقادر الجيلاني " يأخذون العهد على المرأة  ثم يصيرون يدخلون عليها فى غيبة زوجها [25]

  أى أنهم اتخذوا من التصوف طريقاً للوصول إلى النساء بدعوى أنها صارت بنته أو أخته فى الطريق وتحت هذا الشعار يخلو بها ويزنى بها . وبهذه الوسيلة اشتد خطر الصوفية الأحمدية ورفاقهم على المجتمع المصري فى عصر الشعراني حتى اضطروه لأن يقول ( إياك أن تمكن جاريتك أن يأخذ أحد من فقراء الأحمدية أو البرهامية عليها العهد إلا مع المحافظة على آداب الشريعة، فإن كثيراً من الفقراء يعتقد أنه صار والدها يجوز له النظر إليها وترى هى كذلك أنها صارت إبنته ولها أن تظهر وجهها له، وكل ذلك خروج عن الشريعة وربما جعل إبليس ذلك مقدمات الزنا ... وقد حدث مثل ذلك لبعض إخواننا ورأى صاحبه يفعل الفاحشة فى زوجته [26]) .

وما تلطف الشعراني فى التحذير منه فى القرن العاشر أعظم الفقيه الصوفى ابن الحاج الانكار عليه فى القرن الثامن حين بدأ الاحمدية فى بدعة المؤاخاة مع النساء كستار لانحلالهم الخلقى ، ولم تكن تلك المؤاخاة إلا مجرد بدايات لم تأخذ بعد حظها من الانتشار ، ومع ذلك فإن ابن الحاج ندد بهذا الصنيع فقال ( آخى بعضهم بين الرجال والنساء  من غير نكير ولا استخفاء ثم لم يقتصروا على ذلك بل كانت بعض النساء يعيش مع بعض الرجال ويزعمون أنها أخته من الشيخ وقد آخته فلا تتحجب عنه [27]) .

وبازدياد التصوف وعلو شأن الأحمدية  ازدهر الانحراف وانتشرت طريقة المؤاخاة مع تغلغل الطرق الأحمدية وفروعها فى المدن والقرى المصرية ..وإذا كان ابن الحاج قد انكر فى القرن الثامن على ( البعض الذى آخى بين النساء والرجال ) فإن فقيها صوفياً آخر فى القرن التاسع انكر شيوع هذه الظاهرة فقال ( وقد فشا فى هذا الزمان مؤاخاة الفقراء للنسوان ويدخل إليها وتدخل عليه ويختلى بها ويزنى بها ، وكثير منهم يزعم أن المرأة تصير أخته يدخل عليها متى شاء بإذن زوجها وبغير إذنه ويختلى بها ويتعانقان بالظهور والصدور وما لا ينبغى ذكره ويقولون هذه محبة الفقراء فيزنى الرجل بالمرأة وهى أيضا تزنى به [28]) واستمرت هذه الظاهرة فى الشيوع فى القرن العاشر ـ عصر الشعرانى ـ يؤيدها التشريع الصوفي بأنها ( مؤاخاة) و (محبة فقراء ) حتى اضطر الشعراني للإنكار عليها على استحياء وباستعمال أسلوب الاستثناء الفقهى ، كقوله ( إياك أن تمكن جاريتك أن يأخذ أحد من فقراء الأحمدية أو البرهامية عليها العهد إلا مع المحافظة على آداب الشريعة ) فهو لم يمنع إعطاء العهد الأحمدي والمؤاخاة تماماً وإنما أجازهما بشرط الحفاظ على آداب الشريعة .. كأن الشرع يجيز ذلك العهد من أساسه ويجيز مبدأ المؤاخاة طالما حافظ " الأخوة " على آداب الشريعة. فالشعراني يتلاعب بالألفاظ لكى يوفق بين الشرع الاسلامى والتصوف ولا يمكن التوفيق بين عقيدتين متعارضتين .

وقد ذكر عبد الصمد أن أولاد المعلوف كانوا " على غير نعت الاستقامة وكل من تعرض لهم بأذى جاءته الدواهي "[29] أى مع كونهم منحرفين على غير الطريق المستقيم فقد أضفى عليهم البدوي الحماية لأن جدهم المعلوف كان مقربا للبدوي " وكان سيدي أحمد يباسطه حتى لم يكن يدخل دار سيدى أحمد راكبا غيره .. وله أولاد على غير نعت الاستقامة وكل من تعرض لهم بأذى جاءته الدواهي .. " فالبدوى يبسط حمايته لأقرب أتباعه وأولادهم ويحظى زواره بالشفاعة ومع ذلك فهو فى دار البرزخ حيث قد خرج عن دائرة التكليف ولا مسئولية عليه فيما يفعل ، أليس هذا مضحكاً ؟ وشر البلية ما يضحك !

ويقول عبد الصمد إن عبد الكريم خليفة المقام الأحمدى توفى مقتولاً سنة  726[30]، وقد كان سوء سيرته سببا فى قتله وقد تولى الخلافة بعده " صبى من أقاربه " يحتمل أن يكون إبنه كما ألمح إلى ذلك ابن إياس [31].أى إبنه من الزنا .

أولئك هم خلفاء المقام الأحمدي .. أدمنوا الانحلال ونشروه بين المصريين فى الموالد ثم تسلطوا على نساء المصريين فأفسدوهن بحجة ( المؤاخاة) و ( محبة الفقراء ) .

4 ـ والواقع أن الموالد وما يصاحبها من انحراف خلقى نظام عرفه المصريون منذ العهد ( الفرعوني ) وأنه استمر فى العصر ( القبطي ) ثم فى العصر ( الصوفي ) إلا أن الفارق يتمثل فى موقف أصحاب الموالد ( القبطية ) أو ( الصوفية ) من مظاهر الانحراف الخلقى المصاحب للموالد .

ففى العصر اليونانى والرومانى كان الشعب بعد اعتناقه للقبطية كلما اشتهر قديس فى منطقة توافد عليه محتفلاً به حيث تنصب آلاف الخيام لمدة تصل لاسبوع كامل فتقام الصلاة والقداسات وتقرأ سيرة القديسين وتقدم النذور وتنحر الذبائح ، ولا تخلو من اختلاط بين الجنسين وانحلال خلقي ، إلا أن أولي الامر من كبار الكنيسة وقفوا موقفاً حازما من هذا الفساد ، يقول الانبا شنودة فى القرن الخامس الميلادى يعظ الجماهير المحتشدة فى أحد الموالد (جميل جداً أن يذهب الإنسان إلى مقر الشهيد ليصلى ويقرأ ، أما من يذهب ليتكلم ويأكل ويشرب ويلهو أو بالأحرى يزني ويرتكب الجرائم نتيجة الإفراط فى الشراب...فهذا هو الكافر بعينه، وبينما البعض فى الداخل يقرءون ويرتلون..إذ بآخرين فى الخارج يملأون المكان بآلات الطبل والزمر..لقد جعلتم الموالد فرصة لتدريب بهائمكم ولسباق حميركم وخيلكم ، جعلتموها أماكن لسرقة ما يعرض فيها للبيع [32]) . لم يحاول الأنبا شنوده إعلان الشفاعات وتبرير الانحرافات ولم يشارك فى الانحلال بحجة المؤاخاة أو المحبة، كما أنه لم يرض بأن يسرق أتباعه بضائع التجار الواردين للمولد كما كان الصوفية يفعلون فى المولد الأحمدى بحجة أن البدوى يملك بلاد الغربية وهم أتباعه وأحق بالتمتع بأملاكه .

أولئك هم الصوفية الأحمدية. لم يطاولهم فى الانحلال الدينى والخلقى أحد فى التاريخ المصرى الممتد لآلاف السنين.

إن انحلال الصوفية الأحمدية أمر مقرر دلت عليه كتبهم .ولكن ما هى مسئولية البدوى فى تردى أتباعه ؟   

 

 



[1]
المنهل الصافى , مخطوطة 2/ 736ـ  727

[2]التبر المسبوك 176

[3]النصيحة العلوية ـ مخطوط بمكتبة الأزهر 48ب

[4]الجواهر 70 .

[5]التبر المسبوك 177

[6]السلوك 3/ 576 .

[7]تاريخ ابن الفرات 9 / 1/27  , 42: 43 .

[8]أنباء الغمر 1/350 : 351 ، 357 .

[9]نزهة النفوس 1/ 169 ، 180

[10]المنهل الصافى 1/ 556: 557 .

[17]نفس المرجع 1/ 139 ، 2/77 : 78 : 80 .

[18]الجواهر 24 .

[19]الطبقات الكبرى 1/161 .

[20]الطبقات الكبرى 1/ 157 .

[21]الطبقات الكبرى 1/162 .

[22]الجواهر 12، 71

[23]الجواهر 120/ 71

[24]الجواهر 120/ 71 .

[25]لواقح الأنوار323، 180 .

[26]لواقح الأنوار323، 180

[27]المدخل لابن الحاج 2/ 204

[28]المقدسى الرجائى . مخطوط : حكم الأمراد ورقه 51 .

[29]الجواهر 29 .

[30]الجواهر 25

[31]تاريخ ابن إياس 2/ 61

[32]مراد كامل ، تاريخ الحضارة المصرية ـ 2/ 397 ـ 398